في عالم يتسارع إيقاعه، حيث تصل الأخبار في لحظات وتدخل مشاهد الحروب والقصف إلى بيوتنا عبر الشاشات، يبرز عدو خفي يرافق حياتنا بصمت: التوتر.
فالتوتر ليس مجرد شعور عابر، بل سلسلة من التفاعلات الكيميائية التي تنشط في الدماغ والجسم، وقد تؤثر في صحتنا وتغير طريقة عيشنا.
وقد كشفت الأبحاث العلمية أن التوتر المزمن قادر على إحداث تغييرات بيولوجية في جسم الإنسان؛ فالجسد الذي يعيش فترة طويلة تحت ضغط القلق المتكرر لا يظل كما كان قبلها، ورغم أن الضغوط جزء طبيعي من الحياة، فإن ردة فعل أجسادنا تختلف تجاهها، وهنا يكمن السر.
الكورتيزول هرمون يفرز من الغدة الكظرية فوق الكليتين، ويسمى أحيانا هرمون التأهب والطوارئ، وهو يهيئ الجسم لقرارين: المواجهة أو الانسحاب الذكي لحماية نفسك.
لا يعد الكورتيزول عدوا للجسم، بل هرمونا ضروريا يحتاج إلى التوازن، وهو توازن يمكننا دعمه عبر نمط حياة صحي، لكنه قد يسبب مشكلات عندما يبقى مرتفعا لفترة طويلة.
ينتج الكورتيزول عبر محور HPA، سلسلة هرمونية دقيقة تتألف من:
نظام HPA هو لوحة دقيقة من الإتقان؛ فالغدة النخامية صغيرة جدا، ورغم صغر حجمها ووزنها الذي يقارب 0.5 غرام فقط، تتحكم في العديد من وظائف الجسم الحيوية، أما الغدة فوق الكلوية، فهي المسؤولة عن إنتاج هرمون الكورتيزول المرتبط بالتوتر، فلا يتجاوز وزن كل منهما نحو 5 غرامات، ومع ذلك ترسلان إشارات التوتر إلى مختلف أنحاء الجسم.
والهيبوثالاموس، رغم صغر حجمه الذي لا يتجاوز 4 غرامات تقريبا، يصدر التعليمات الدقيقة في اللحظة المناسبة، موجها إفراز هرمونات التوتر بالكميات الصحيحة ومن الغدد المناسبة. تعمل هذه الأعضاء جميعا بتناغم لافت؛ لكل منها حجمه وموقعه ودوره المحدد الذي يؤديه بدقة مذهلة.
تأمل صغر هذه الأعضاء وعظمة ما تقوم به. فكل هذه العمليات تحدث تلقائيا دون أي تدخل منا. كيف يدرك الجسم أننا نشعر بالتوتر قبل أن نعبر عنه؟ وكيف تفرز الهرمونات المناسبة من الغدد المناسبة وبالقدر المطلوب؟ إنها شبكة تنظيمية دقيقة تعكس روعة الإتقان في خلق جسم الإنسان.
عندما نشعر بضغط أو تهديد:
يرتفع الكورتيزول مؤقتا، يمنح الجسم الطاقة، ثم يعود إلى مستواه الطبيعي إذا كان التوتر عابرا.
إذا أصبح التوتر حالة دائمة، تظهر آثاره على عدة أجهزة:
التوتر المزمن يضعف الدفاعات ويجعل الجسم أقل قدرة على مقاومة العدوى.
قد يؤدي التوتر المزمن إلى اضطرابات صحية مثل القرحة أو القولون العصبي، لذلك من المهم اتباع أساليب تساعد على خفض مستويات التوتر وهرمون الكورتيزول في الجسم.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال النوم لمدة 7 إلى 9 ساعات يوميا لإعادة ضبط توازن محور التوتر في الجسم، وممارسة التنفس العميق لبضع دقائق يوميا، إلى جانب النشاط البدني المنتظم.
كما يسهم الذكر والصلاة والدعاء في تهدئة الجهاز العصبي، بينما يساعد تقليل الكافيين، والحفاظ على علاقات اجتماعية صحية، والضحك وتنشيط هرمونات السعادة، إضافة إلى تنظيم الوقت، في تقليل الضغط النفسي.
يعبر النص النبوي بدقة لافتة عن معنى لم ينتبه إليه علم النفس الحديث إلا مؤخرا. فمن الدعاء المأثور عن النبي ﷺ "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل"، ويلاحظ في هذا الدعاء التفريق بين الهم والحزن؛ فالهم غالبا يرتبط بما يقلق الإنسان بشأن المستقبل وما قد يحدث فيه، بينما الحزن يتعلق بما وقع بالفعل في الماضي.
وهذه ملاحظة نفسية دقيقة لم يسلط علم النفس الضوء عليها إلا في وقت متأخر، في حين أشار إليها النبي محمد ﷺ بوضوح قبل قرون. فبينما يركز العلم الحديث على معالجة آثار الهم والحزن، يوجه الدعاء الإنسان إلى الوقاية منهما من الأساس، وألا يستغرق فيهما.
قال النبي ﷺ: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»
الابتسامة تفرز الدوبامين والسيروتونين، ويزداد الأوكسيتوسين -هرمون الترابط الاجتماعي- وقد تكون معدية؛ فهي إذن صدقة توزع هرمونات السعادة بين الناس، حقاً إنه حديث مبهر تجاوزت عظمته تحليلات المختبرات.
صحتك النفسية هي رأس مالك الحقيقي في الحياة، وتذكر دائماً أن أكثر من يستطيع تغيير حياتك هو أنت. فالتوتر ليس علامة قوة ولا دليل وعي، بل حالة خفية تنشأ عندما يظل العقل في حالة عمل مستمر بينما ينسى الجسد حاجته إلى الطمأنينة والراحة. نحن لا ننهار لأن الحياة أقسى مما نحتمل، بل لأننا نعيشها وكأن الخطر دائم الحضور، وكأن الراحة نوع من التقصير.
فالتوتر يعني أن تعيش الحاضر بعقل منشغل بالمستقبل الذي لم يأت بعد، وأن تدفع ثمناً نفسياً لأمور قد لا تحدث أصلاً. والعقل القلق لا يحمي الإنسان من الألم، بل يجعله يعيشه قبل أوانه. لذلك لست بحاجة إلى السيطرة على كل شيء حتى تكون بخير؛ يكفي أن تتوقف عن إرهاق نفسك بالقلق مما لم يقع. ففي كثير من الأحيان لا يكون ما يرهقنا هو ثقل الحياة نفسها، بل محاولتنا حملها وحدنا بدل أن نسير معها بهدوء وتوازن.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة