يتلقى بعض المسافرين في المطارات رسالة قصيرة ربما لا تستغرق قراءتها سوى ثوانٍ معدودة، لكنها بالنسبة إلى المسافر تعني أن الساعات التالية لم تعد تسير وفق الخطة، مفاد تلك الرسالة: "نأسف لإبلاغكم بتأخر موعد إقلاع رحلتكم".
هذه الرسالة لا تعني أن المسافر عليه أن يبقى لمدة إضافية في المطار فقط، بل تشير أيضًا إلى أن موعد الوصول سيتغير، وربما تتعرض رحلة الربط في حالة الترانزيت للخطر، وقد يضطر إلى شراء وجبة إضافية، أو تمديد موقف سيارته، أو حتى البحث عن غرفة فندقية إذا طال الانتظار حتى اليوم التالي.
وبالنسبة إلى شركة الطيران، لا تحمل الرسالة أخبارًا أفضل، فالتأخير يعني طائرة تظل على الأرض أو في انتظار الإقلاع، وطاقمًا يستمر في العمل، ووقودًا وموارد تشغيلية تُستهلك، وجدول رحلات قد يبدأ في الانزلاق من موعد إلى آخر.
لكن الرسالة نفسها قد تحمل، من زاوية أخرى، خبرًا جيدًا لأطراف لا تظهر في المشهد مباشرة.
فالمسافر الذي كان يفترض أن يغادر المطار بعد دقائق قد يجد نفسه أمام ساعة أو ساعتين إضافيتين؛ وقت يمكن أن يتحول إلى قهوة أو وجبة في أحد المطاعم، أو جولة بين متاجر السوق الحرة، أو استخدام إحدى صالات الانتظار.
في حين قد يتحول التأخير الطويل أو إلغاء الرحلة إلى ليلة إضافية في فندق، وتتحول الحاجة إلى معرفة موعد الإقلاع الجديد إلى زيارات متكررة لتطبيقات تتبع الرحلات.
وهكذا، لا يختفي المال مع تأخر الطائرة، وإنما يتغير مساره، فما يمثل تكلفة إضافية لشركة الطيران قد يتحول إلى إيراد لمطعم، أو متجر، أو فندق، أو منصة رقمية تقدم معلومات عن الرحلات.
وتزداد أهمية هذه المعادلة مع دخول قطاع الطيران العالمي مرحلة جديدة من الطلب القوي، إذ يتوقع الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) أن يصل عدد المسافرين إلى نحو 5.1 مليارات مسافر في عام 2026، بينما تتوقع المطارات العالمية التابعة للمجلس الدولي للمطارات (إيه سي آي) وصول حركة المسافرين عبر المطارات إلى 10.2 مليارات حركة مسافر في العام نفسه.
ومع هذا الحجم الهائل من حركة السفر، يمكن حتى لاضطراب محدود نسبيًا أن يخلق سوقًا ثانوية كبيرة حول المسافرين الذين أصبح لديهم فجأة مزيد من الوقت، ومزيد من الاحتياجات، وخيارات أقل.
ويستعرض التقرير كيف تتحول تأخيرات الرحلات الجوية من خسارة مباشرة تتحملها شركات الطيران إلى اقتصاد خفي يستفيد منه عدد من القطاعات، وما الذي تكشفه بيانات المطارات والشركات العالمية عن القيمة التجارية للوقت الذي يقضيه المسافر في الانتظار.
بالنسبة إلى شركات الطيران، تبدأ كلفة التأخير بالطائرة نفسها، فكلما زادت المدة التي تظل فيها الطائرة قيد التشغيل، بسبب وقوفها عند البوابة، أو انتظارها للحصول على تصريح، زادت الموارد المستهلكة من دون مقابل في الإيرادات.
وحسب التقديرات، بلغ متوسط تكلفة التشغيل المباشرة للطائرة لدى شركات الطيران الأمريكية المنتظمة لنقل الركاب 98.41 دولارًا لكل دقيقة تشغيل في عام 2025.
وشملت أبرز هذه التكلفة نحو 37 دولارًا للطاقم، و29 دولارًا للوقود، و18 دولارًا للصيانة، ولا تمثل هذه الأرقام التكلفة الاقتصادية الكاملة للتأخير، لكنها تعطي مؤشرًا إلى حجم الأموال التي تتكبدها الشركات في حال تأخر الرحلات.
وتصبح الآثار أكبر عندما ينتقل التأخير من رحلة إلى أخرى، فمع وصول الطائرة متأخرة، تغادر متأخرة مرة أخرى، مما يؤدي إلى تأخر الرحلة التالية في جدول تشغيلها، وقد يصل أفراد الطاقم إلى الحدود القانونية لساعات العمل، بما يفرض أعباء إضافية على التشغيل.
كما أنه في حال التأخير، قد يفقد المسافرون رحلات الربط الخاصة بهم، وهكذا يمكن لمشكلة تشغيلية مدتها 30 دقيقة أن تتحول إلى اضطراب يمتد عبر شبكة الرحلات بأكملها.
وتكشف أحدث تقييمات الاتحاد الدولي للنقل الجوي لتأخيرات مراقبة الحركة الجوية في أوروبا عن حجم المشكلة.
ففي الفترة بين عامي 2015 و2025، تسببت التأخيرات المرتبطة بمقدمي خدمات الملاحة الجوية في أوروبا في تكاليف تقدر بنحو 20.2 مليار دولار لشركات الطيران والمسافرين، منها 12.6 مليار دولار تحملتها شركات الطيران، و7.6 مليارات دولار تمثل قيمة الوقت الذي فقده المسافرون.
كما أثر ذلك على نحو 1.1 مليار مسافر، بينما تأخرت 7.3 ملايين رحلة.
وتكشف الأرقام الأوروبية أيضًا سبب أهمية موسم الصيف بصورة خاصة، ففي عام 2024، وصلت تأخيرات إدارة تدفق الحركة الجوية في أوروبا إلى 30.4 مليون دقيقة، ووقع 38% منها في يوليو/تموز وأغسطس/آب.
وثمة كلفة مالية أخرى تتمثل في حماية حقوق المسافرين، فبموجب إطار حقوق المسافرين جوًا المعدل في الاتحاد الأوروبي، يحق للمسافرين الحصول على تعويض عندما تتجاوز التأخيرات 3 ساعات.
وتتراوح قيمة التعويض بين نحو 289 دولارًا و462 دولارًا و693 دولارًا بحسب مسافة الرحلة، وفق الشروط المعمول بها والاستثناءات الخاصة بالظروف الاستثنائية، كما يمكن أن تلتزم شركات الطيران بتوفير الوجبات والإقامة والنقل في أثناء حالات الاضطراب المؤهلة.
اعتادت المطارات تحقيق إيراداتها بصورة أساسية من الرسوم التي تدفعها شركات الطيران، لكن الإيرادات التجارية أصبحت ركيزة ثانية مهمة.
ويقدر المجلس الدولي للمطارات أن الإيرادات غير المتعلقة بالطيران مثلت 36.7% من إجمالي إيرادات المطارات عالميًا في عام 2024، بمتوسط 7.57 دولارات لكل مسافر، كما يشير إلى أن هذه الإيرادات تغطي نحو 48% من إجمالي تكاليف المطارات عالميًا.
وتأتي هذه الإيرادات من أنشطة لا ترتبط بالطيران بصورة مباشرة، مثل متاجر التجزئة، والمطاعم والمقاهي، ومواقف السيارات، والعقارات، والإعلانات، وصالات الانتظار وغيرها من الخدمات.
وهنا تصبح مدة بقاء المسافر داخل المطار ذات أهمية اقتصادية، فقد بحثت دراسة أكاديمية نُشرت عام 2024 في مجلة إدارة النقل الجوي العلاقة بين الوقت الذي يقضيه المسافر داخل المطار والإيرادات التجارية غير المرتبطة بالطيران.
واعتمد الباحثون على بيانات تتبع الموقع لمستخدمين وافقوا على إتاحة بيانات تحركاتهم عبر تطبيق للهواتف المحمولة، إلى جانب البيانات المالية وبيانات الرحلات الخاصة بـ89 مطارًا أمريكيًا، خلال الفترة من عام 2017 إلى عام 2019.
وباستخدام نماذج إحصائية للبيانات، خلص الباحثون إلى أن زيادة مدة بقاء المسافر داخل المطار بنسبة 10% ترتبط بزيادة تقارب 5% في إجمالي الإيرادات غير المرتبطة بالطيران، بينما ترتفع الإيرادات من الأطعمة والمشروبات بنحو 8%، وإيرادات التجزئة بنحو 6%.
والعلاقة ليست متطابقة في كل مطار، لكن النتيجة توضح أن الوقت الذي يقضيه المسافر داخل المطار يمكن أن يمثل قيمة تجارية قابلة للقياس.
تعد المطاعم والمقاهي ومتاجر التجزئة ومختلف مقدمي الخدمات في المطار، مثل خدمات الترفيه وغيرها، من أبرز المستفيدين من تأخر الرحلات.
فالمسافر الذي كان يتوقع أن يقضي 30 دقيقة عند بوابة الصعود قد يجد نفسه فجأة أمام ساعة إضافية يحتاج إلى شغلها، ويمكن استغلال هذه المدة في أنشطة متعددة مثل الإفطار، أو تناول القهوة، أو شراء كتاب، أو تجربة بعض مستحضرات التجميل أو حتى الحصول على جلسة تدليك.
ويقدم مطار هيثرو مثالًا واقعيًا على ذلك، ففي عام 2025، حقق المطار نحو 1.07 مليار دولار من إيرادات التجزئة، مقارنة بـنحو 1.04 مليار دولار في عام 2024، بزيادة بلغت 2.5%.
وتوضح التقارير المالية للمطار أن ارتفاع أعداد المسافرين عزز إيرادات التجزئة، كما تشير إلى تحسن مبيعات الأغذية والمشروبات المرتبطة بزيادة ساعات التشغيل، فقد استقبل المطار 84.5 مليون مسافر في عام 2025، مقارنة بـ83.9 مليون في عام 2024.
وشهد الربع الأول من عام 2026 وحده، استقبال 18.9 مليون مسافر، بينما بلغت إيرادات التجزئة نحو 242 مليون دولار، بزيادة 5.3% على أساس سنوي.
ويكتسب نموذج هيثرو التجاري أهمية خاصة، لأن إيرادات التجزئة تشمل ترتيبات امتياز تجاري يحصل بموجبها المطار على رسوم ترتبط بمبيعات أصحاب الامتياز وحجم أعمالهم، وبعبارة أخرى، عندما ينفق المسافر أموالًا داخل متجر في المطار، يمكن أن يستفيد مشغل المطار من جزء من هذا الإنفاق من خلال رسوم الامتياز.
ثمة عدد قليل من الصناعات التي تستفيد من حالة عدم اليقين بصورة أكثر وضوحًا من الشركات التي تبيع المعلومات عنها، فعندما تكون الرحلة في موعدها، قد يكتفي المسافر بالتحقق من حالتها مرة واحدة، لكن عندما تتأخر أو يتغير موعدها أو بوابتها، يصبح الحصول على معلومة دقيقة وفورية أكثر قيمة.
ويتحول التأخير هنا من مجرد مشكلة تشغيلية إلى مصدر طلب على المعلومات، فالمسافر يريد معرفة موعد الإقلاع الجديد، وموقع الطائرة، وإذا ما كان لا يزال قادرًا على اللحاق برحلة الربط، بينما تحتاج شركات الطيران والمطارات وشركات السفر إلى البيانات نفسها لإدارة الاضطرابات واتخاذ القرارات التشغيلية.
وتكشف أحجام الاستخدام عن سوق ضخم لهذه المعلومات، فقد أعلنت "فلايت أوير" أنها تتبعت أكثر من 69 مليون رحلة عام 2025، بينما سجلت منصاتها الرقمية 22.81 مليون مستخدم شهريًا و227 مليون مشاهدة شهرية للصفحات، كما توفر الشركة بيانات الطيران وأدوات اتخاذ القرار لشركات الطيران والمشغلين وغيرهم من العاملين في القطاع.
أما "فلايت رادار 24″، فأعلنت أن منصتها تستقبل أكثر من 5 ملايين مستخدم يوميًا، وتتتبع أكثر من 250 ألف رحلة يوميًا، كما توفر خاصية مخصصة للاضطرابات تعرض المطارات التي تشهد أعلى مستويات التأخير.
ولا يقتصر اتساع هذا الاستخدام على أعداد المستخدمين، بل يظهر أيضًا في النتائج المالية للشركة، فقد حققت "فلايت رادار 24" إيرادات بلغت نحو 72.4 مليون دولار في عام 2025، بزيادة كبيرة عن العام السابق، بما يعكس ارتفاع هامش الربحية في نموذج يعتمد على الاشتراكات والإعلانات وبيع خدمات البيانات التجارية.
وتمتد القيمة الاقتصادية لهذه البيانات إلى سوق المؤسسات، فتقول شركة سيريوم إن أنظمتها تعالج أكثر من 25 مليون تحديث لحالة الرحلات يوميًا، مع تغطية أكثر من 95% من رحلات الركاب التجارية، وتستخدم شركات الطيران والمطارات وشركات السفر ومؤسسات التأمين والخدمات المالية هذه البيانات لإدارة الاضطرابات واتخاذ القرارات التشغيلية.
ولا تكمن قيمة هذه البيانات في حجمها فقط، بل في قدرتها على تحويل حركة الطائرات إلى معلومات قابلة للاستخدام التجاري.
وتوضح سيريوم أن بياناتها تأتي من أكثر من 3 آلاف مصدر حي، مما يسمح للشركات باستخدامها ليس فقط لمعرفة موقع الطائرة، وإنما لتحليل مواعيد الإقلاع والوصول والتأخيرات والإلغاءات وأداء الرحلات واتخاذ قرارات تشغيلية واستثمارية بناءً عليها.
وبالمثل، تعالج "أو إيه جي" نحو 4 ملايين تحديث لحالة الرحلات يوميًا، بما يشمل التأخيرات والإلغاءات والتحويلات وتغييرات البوابات، وتبيع هذه البيانات باعتبارها منتجًا تجاريًا للمعلومات المتعلقة بالطيران.
ومن هنا، لا تبيع هذه الشركات الرحلات نفسها، بل تبيع شيئًا آخر لا يقل أهمية في أوقات الاضطراب، وهو القدرة على معرفة ما سيحدث بعد ذلك.
لكن هل هذا يعني أن المطارات تتمنى أن يعاني المسافرون من التأخيرات؟ بالطبع لا؛ فالتأخيرات المفرطة تضر بالمطار نفسه في نهاية المطاف، من خلال خفض رضا المسافرين، وخلق الازدحام، وربما التأثير على حركة المسافرين مستقبلًا.
النمو المتوقع لحركة السفر العالمية يوسع الحجم المحتمل للاقتصاد المرتبط بوقت انتظار المسافرين (غيتي)ففي الوقت الذي أصبحت فيه خدمات شركات الطيران أكثر تقاربًا، تتنافس المطارات اليوم على جودة تجربة المسافر، التي تتأثر بعوامل من بينها مستويات الازدحام واحتمالات تأخر الرحلات.
ويؤكد تقرير سكاي تراكس أن المطارات المتصدرة تصنيفات رضا المسافرين تستثمر بصورة مستمرة بالخدمات التجارية والترفيهية، وهو ما يتضح في مطارات مثل شانغي، وحمد الدولي، وهانيدا، التي احتلت المراكز الأولى على التوالي في تصنيف أفضل مطارات العالم لعام 2025.
وفي هذا الإطار، يشير مجلس المطارات الدولي إلى أن كل زيادة بنسبة 1% في رضا المسافرين تؤدي في المتوسط إلى نمو الإيرادات غير المرتبطة بالطيران بنسبة 1.5%.
ومع استمرار نمو حركة السفر العالمية، واحتدام المنافسة بين المطارات للفوز بمكانة مراكز العبور الدولية، يبدو أن مطارات المستقبل ستشبه مدنًا ذكية مصغرة أكثر من كونها مرافق للنقل.
ويعكس هذا الأمر أن المطارات قد تحقق إيرادات تجارية مرتفعة عند حدوث تأخيرات بشكل مقبول، بينما تؤدي التأخيرات المفرطة في النهاية إلى الإضرار بأعداد المسافرين والإيرادات.
وهنا تكمن القصة الاقتصادية الأكثر إثارة للاهتمام: يمكن للتأخير أن يخلق قيمة تجارية حتى نقطة معينة، لكنه يتحول بعد تجاوز تلك النقطة إلى عامل مدمر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة