لم يبدُ أي شيء غير مألوف عندما انضم موظف مالي في هونغ كونغ إلى زملائه في مكالمة فيديو مع شركة "أروب" الهندسية لمناقشة صفقة استحواذ سرية عام 2024.
ولم يكتشف هو وزملاؤه تعرضهم للخداع إلا بعد تحويل مبلغ 25 مليون دولار كجزء من قيمة الصفقة، فقد تبين أن جميع الأشخاص الآخرين في تلك المكالمة - بمن فيهم الشخص الذي بدا وكأنه المدير المالي للشركة - كانوا مجرد صور مزيفة مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.
مؤخراً أصبح من الصعب للغاية التمييز بين الوجوه التي يولدها الذكاء الاصطناعي ووجوه البشر الحقيقيين، وتشير تقديرات إلى أن عمليات الاحتيال باستخدام الذكاء الاصطناعي ستكلف الولايات المتحدة وحدها 40 مليار دولار بحلول العام المقبل، بحسب تقرير صادر عن شركة الاستشارات "ديلويت" عام 2024.
وهذا أحد الأسباب التي دفعت إيمي داويل، وهي أستاذة مشاركة وعالمة نفس في الجامعة الوطنية الأسترالية، إلى التساؤل عما إذا كان بإمكاننا جميعاً التدرب على تمييز الوجوه المولدة بالذكاء الاصطناعي بشكل أفضل.
تقول إيمي: "نحن سيئون للغاية في التعرف إلى الوجوه المنشأة بالذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي"، إذ تشير الدراسات إلى أن قدرتنا على احتمالية التخمين لا تتجاوز 50 في المئة، بل ربما تكون أسوأ من ذلك.
إذاً، ما مدى براعة الواحد منا في التمييز بين وجه مولد بالذكاء الاصطناعي وآخر بشري حقيقي؟
إذا واجهت صعوبة في الاختبار أعلاه، فأنت لست وحدك.
تقول أستاذة علم النفس إن صعوبة تمييز الوجوه المولدة بالذكاء الاصطناعي لها عواقب واقعية تؤثر علينا جميعاً، وتضيف: "سواء تعلق الأمر بالخداع باستخدام هوية مزيفة، أو مواقع المواعدة، أو استهداف حساباتنا المصرفية".
وفي دراسة نُشرت في شهر يونيو/ حزيران في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأمريكية، اختبرت إيمي وزملاؤها في أستراليا وكندا واسكتلندا نهجاً جديداً لتدريب الأشخاص.
ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، عالجت الأنظمة الحديثة معظم الأخطاء الواضحة، وتقول إيمي إنه من غير المرجح أن يستخدم المحتالون صوراً تحتوي على عيوب ظاهرة.
وبدلاً من تعليم الناس البحث عن علامات تدل على الخلل - مثل عدم تطابق الأقراط أو تشوه الملامح - حاول الباحثون تدريب الأشخاص على تكوين أحكام حدسية حول كل وجه بوصفه وحدة متكاملة.
تقول أستاذة علم النفس: "إحدى المشكلات تكمن في أننا نتوقع أن تكون وجوه الذكاء الاصطناعي غريبة الشكل - وهذا مبني على تجارب سابقة - لكن في الواقع، أغلب البشر لا يتمتعون بتناظر مثالي، ولديهم بعض السمات غير المنتظمة، لذا فإن المعادلة بأكملها معكوسة".
وقد أظهرت أبحاث سابقة أجراها المختبر الذي تشرف عليه إيمي أن الوجوه التي يولدها الذكاء الاصطناعي تُصنَّف على أنها وجوه بشرية بمعدل يفوق تصنيف الوجوه البشرية الحقيقية، وهي ظاهرة أطلق عليها الباحثون اسم "الواقعية المفرطة للذكاء الاصطناعي".
وتوضح إيمي أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تميل إلى تكوين متوسط رياضي لعشرات الآلاف من الوجوه التي تدربت عليها، ولذا فإن "وجوه الذكاء الاصطناعي تبدو في الواقع تبدو في الواقع أقرب إلى المتوسط، أو فائقة الاعتيادية، مقارنة بالوجوه البشرية".
وتضيف: "هذا الأمر يضفي عليها طابعاً يوحي بمزيد من الثقة والجاذبية والألفة" مقارنة بالوجوه البشرية الحقيقية.
غير أن تلك الدراسة اقتصرت على وجوه مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي لأصحاب البشرة البيضاء. ونظراً لأن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تخضع لعمليات تدريب تعتمد بشكل غير متناسب على الوجوه البيضاء، فمن المحتمل أن تبدو هذه الوجوه واقعية بشكل خاص مقارنة بغيرها من وجوه أصحاب البشرات الأخرى.
في أحدث دراسة، اختبر الفريق أولاً مدى قدرة 45 شخصاً بالغاً على اكتشاف الوجه المُنشأ بالذكاء الاصطناعي قبل بدء التدريب.
وفي أحد الاختبارات، عُرضت عليهم في كل مرة ثلاثة وجوه وطُلب منهم اختيار الوجه الذي أنشأه الذكاء الاصطناعي، وبلغ متوسط إجاباتهم الصحيحة 41 في المئة.
بعد ذلك، خضع المشاركون لتدريب استمر نحو ساعة.
تذكر إيمي أن التدريب تضمن عرض حوالي 100 وجه - نصفها حقيقي والنصف الآخر مولد بواسطة الذكاء الاصطناعي - مع الطلب من المشاركين تقييم كل وجه بناءً على ست سمات عامة هي: التميّز، وسهولة التذكر، والتعبير، والتناظر، وتناسب الملامح، والجاذبية.
ووفقاً لأستاذة علم النفس، تميل الوجوه البشرية إلى أن تكون أكثر تميزاً وقدرة على البقاء في الذاكرة وأكثر تعبيراً، في حين أنه غالباً ما تكون الوجوه المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي أكثر تماثلاً وتناسباً وجاذبية.
وتضيف: "نحن لا نخبرهم حتى بأن وجوه الذكاء الاصطناعي أكثر تماثلاً، كل ما عليهم فعله هو تقييم درجة التماثل. نحن فقط نخبرهم ما إذا كان الوجه مولداً بواسطة الذكاء الاصطناعي أم بشرياً، ومن خلال هذا التعريض المباشر، يكوّنون فكرة عن أوجه الاختلاف بين وجوه الذكاء الاصطناعي والوجوه البشرية".
في المتوسط، تضاعفت دقة المشاركين تقريباً بعد التدريب لتصل إلى 81 في المئة في الاختبار الموضح أعلاه.
وفي إطار متابعة هذه الدراسة، أجرى متعاونون في كندا التدريب نفسه على مجموعة منفصلة من المتطوعين.
وذكرت إيمي أنهم "حللوا البيانات بشكل منفصل ووجدوا النتائج الإيجابية القوية ذاتها".
content نهاية
الدكتور أليخاندرو إستوديو، الذي لم يكن مشاركا في الدراسة، وهو عالم نفس يدرس الإدراك البصري في جامعة بورنموث بالمملكة المتحدة، يقول في تصريح لبي بي سي، بأنه شعر بالدهشة عند قراءة الدراسة، لأنها تخالف الأساليب التي استخدمها باحثون آخرون.
لكنه يضيف أن ميزة هذا النهج الجديد تكمن في أنه يستفيد من غرائزنا الطبيعية.
وأوضح قائلاً: "لا يعالج البشر الوجوه التي يرونها من خلال التركيز على ملامح فردية، بل يستخدمون ما يُعرف بالمعالجة الشاملة"، وهي عملية نجمع فيها كل الملامح لتشكيل صورة كلية يمكننا التعرف إليها بكفاءة.
على سبيل المثال، عندما تقيّم وجهاً من حيث التميز أو التماثل، فإنك لا تركز على ميزة محددة، بل يتعين عليك التركيز على الوجه بأكمله.
يقول أليخاندرو: "لم يفكر أحد ربما في أن أفضل نهج هو أن نطلب من المشاركين معالجة الوجوه بصورة طبيعية، بالطريقة نفسها التي يفعلون بها ذلك في حياتهم اليومية".
ومع ذلك، فإن الدراسة تنطوي على بعض القيود.
تقول إيمي إن التدريب أثبت فعالية عالية مع أحد أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي واقعية في توليد الوجوه وهو برنامج StyleGAN3، لكنه يحتاج إلى اختبار على نماذج أخرى من الذكاء الاصطناعي.
وتضيف: "كان جميع المشاركين لدينا من الشباب البالغين، لذا تبرز أسئلة جوهرية حول ما إذا كان هذا التدريب قد ينجح مع فئات عمرية أخرى، مثل الأطفال وكبار السن، الذين نعلم أنهم أيضاً أكثر عرضة لخطر الاحتيال".
يقول فريق الباحثين إن التحدي الحقيقي يكمن في أن البشر يخوضون الآن سباقاً مع أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تشهد تحسناً مستمراً.
تتوفر حالياً أدوات آلية تستخدم خوارزميات للكشف عن المحتوى المُولَّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، لكن هذه الأدوات لها حدودها.
ففي حين أن هذه الأدوات قد تعمل فقط مع منتجات محددة للذكاء الاصطناعي، فإنها قد تواجه صعوبات مع ظهور نماذج جديدة أو عند تعديل الصور، ولذلك يرى الباحثون أنه من الضروري إبقاء العنصر البشري في صميم عملية كشف التزييف الناتج عن الذكاء الاصطناعي.
وتقول إيمي: "إنها أشبه بلعبة القط والفأر، فالأمر يشبه فيروسات الحاسوب التي تتطور باستمرار، مما يضطرنا نحن أيضاً إلى التطور لمواكبتها".
ومع ذلك، فهي تعتقد أن هذه النتائج توفر "سبباً وجيهاً للتفاؤل".
وتشير إلى أنه قد يجري في نهاية المطاف تطوير تدريبات مماثلة لمساعدة الناس على اكتشاف الأصوات ومقاطع الفيديو المُنشأة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب الوجوه الثابتة، حتى نصبح جميعاً أكثر قدرة على معرفة ما إذا كنا نتحدث في مكالمة مع زملائنا الحقيقيين أم مع صور مزيفة عميقة أنشأها الذكاء الاصطناعي.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة