يشهد العالم المالي حاليا مفارقة لافتة: ارتفاع الأسعار في "وول ستريت"، أي أسواق الأسهم، في حين تُخفَّض توقعات النمو في "مين ستريت"، أي الاقتصاد الحقيقي.
فبينما تتواصل الحرب في إيران، مسببة اضطرابا كبيرا في أسواق الطاقة العالمية وخطوط الشحن، ومُلْحِقة أضرارا بالاقتصاد العالمي، تسجل مؤشرات الأسهم في الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية مستويات قياسية جديدة.
في بداية الأسبوع، سجل مؤشر "إس أند بي 500" رقما قياسيا جديدا بلغ 7,272 نقاط، كما صعد مؤشر "ناسداك 100" المثقل بأسهم التكنولوجيا إلى ذروة تاريخية تجاوزت 28,000 نقطة يوم الثلاثاء.
وفي آسيا، أغلق مؤشر "كوسبي" في كوريا الجنوبية عند مستوى قياسي بلغ 6,936 نقاط يوم الاثنين، بينما وصل مؤشر "تايكس" في تايوان إلى ذروة قدرها 39,888 نقطة. كما سجل مؤشر "نيكاي 225" في اليابان مستوى قياسيا عند 60,909 نقاط في نهاية شهر أبريل.
ترتبط هذه المؤشرات ببعض الاقتصادات التي تُعد من بين الأكثر تعرضا للاضطرابات في مضيق هرمز. فحوالي 80% من النفط ومشتقاته التي تعبر هذا الممر البحري عادة تتجه إلى آسيا، ومع تعطّل يُقدَّر بما بين عشرة و12 مليون برميل يوميا حاليا، تواجه الاقتصادات المعتمدة على الواردات، مثل كوريا الجنوبية واليابان، مخاطر متزايدة على صعيد الطاقة.
في الواقع، عندما اندلعت الحرب في إيران للمرة الأولى، تراجع مؤشر "كوسبي" في كوريا الجنوبية بنحو 20% على مدى الأسابيع الأولى وحتى نهاية شهر مارس، بينما فقد مؤشر "نيكاي 225" في اليابان أكثر من 14% في الفترة نفسها. وتعرض السوقان لضغوط خاصة في الأسابيع الأولى من النزاع، في ظل موجة بيع عالمية في أسواق الأسهم، لكنهما تعافيا بالكامل منذ ذلك الحين.
وفي أوروبا، لم يتمكن مؤشرا "يورو ستوكس 50" و"ستوكس يوروب 600" الأوسع نطاقا من تسجيل قمم جديدة منذ بدء الحرب في إيران، بعد أن لامسا مستويات قياسية في الأسبوع نفسه الذي شهد أولى الغارات الأمريكية الإسرائيلية. ومع ذلك، يتداول المؤشران حاليا بأقل من 10% عن تلك الذرى، في إشارة إلى قدر من الصمود حتى الآن.
هذا التباين الحاد بين تقييمات الأسهم القياسية وواقع تباطؤ الاقتصاد العالمي، في وقت تقف فيه أسعار النفط عند أعلى مستوى لها منذ أربعة أعوام، يسلط الضوء على تحول كبير في ديناميكيات السوق. فما الذي يقف وراء ذلك؟
المحرك الرئيسي للأداء القياسي في الأسواق الآسيوية والأمريكية هو الزخم المستمر لثورة الذكاء الاصطناعي.
ففي كوريا الجنوبية وتايوان، تهيمن شركات أشباه الموصلات وشرائح الذاكرة على المؤشرات، وقد أصبحت العمود الفقري للاقتصاد الرقمي الحديث.
وقال آلان ماكينتوش، مدير الاستثمار في "كوينتر شيفيوت أوروبا"، في تصريح لـ"يورونيوز" إن هذا التركّز في عدد محدد من الشركات عالية القيمة له تأثير كبير في أداء المؤشرات الإقليمية.
وأضاف: "الارتفاع القوي في كوريا الجنوبية وتايوان، على وجه الخصوص، جاء مدفوعا بأسعار أسهم \"إس كيه هاينكس\" و\"سامسونغ\"، اللتين تمثلان معا 44% من السوق الكورية الجنوبية، في حين تستحوذ \"تي إس إم سي\" على 45% من السوق التايوانية".
هذه الشركات العملاقة في مجال العتاد توفر البنية التحتية الأساسية لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو قطاع يبدو أن الطلب فيه منفصل إلى حد كبير عن أزمة الطاقة الراهنة.
وعلى الرغم من أن شبه الحصار على مضيق هرمز يخلق تحديات لوجستية ويدفع تكاليف الإنتاج إلى الارتفاع، فإن الطلب على شرائح الذاكرة ذات النطاق الترددي العالي وغيرها من مكوّنات العتاد الحيوية يواصل الصعود.
وينعكس هذا الاتجاه في الولايات المتحدة أيضا، حيث استخدمت شركات التكنولوجيا الكبرى و"الهايبرسكيلرز"، ومن بينها "أمازون" و"ألفابت"، الشركة الأم لـ"غوغل"، احتياطياتها المالية الضخمة للحفاظ على النمو وزيادة الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، ما ساعد على دفع المؤشرات الرئيسية إلى الأعلى رغم الضغوط التضخمية على المستهلكين.
وعلى نطاق أوسع، جاءت نتائج أرباح الربع الأول أعلى من التوقعات بكثير، إذ كان من المتوقع أن تحقق شركات مؤشر "إس أند بي 500" نموا في الأرباح بنسبة 13%، لكنها سجلت نموا فعليا بلغ 28%، مع تصدر قطاع التكنولوجيا قائمة المستفيدين وتسجيله أكبر المفاجآت الإيجابية.
وقال روس مولد، مدير الاستثمار في شركة "إيه جي بيل"، لـ"يورونيوز": "تُظهر الأبحاث أن قطاع التكنولوجيا يتصدر المشهد، إذ تشير توقعات الإجماع إلى نمو في الأرباح بنسبة 38% هذا العام و25% في عام 2027، بفضل الذكاء الاصطناعي".
إلى جانب الأرباح الشركاتية والنمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي، قد تسهم العوامل الفنية في الأسواق أيضا في تغذية موجة الصعود، بعد أن يكون المستثمرون قد بالغوا في بيع الأسهم في البداية متوقعين تداعيات اقتصادية أوسع للحرب في إيران.
وأوضح مولد لـ"يورونيوز" أن تعافي السوق يُعزى جزئيا إلى نمط راسخ في سلوك المستثمرين، مشيرا إلى أبحاث من "غولدمان ساكس" تفيد بأن شركات التداول الخوارزمي وصناديق التحوط اتخذت مراكز بيع على المكشوف في منتصف شهر مارس، قبل أن يفاجئها صعود السوق. وقال: "نتيجة لذلك، اضطر هؤلاء إلى تغطية تلك المراكز عبر شراء الأسهم، ما خلق \"short squeeze\" بمليارات الدولارات".
في الوقت نفسه، يبدو أن المستثمرين يتمسكون بالأمل في حدوث اختراق دبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران.
وقال ماكينتوش: "لا يزال هناك اعتقاد في الأسواق بأن الحصار المفروض على مضيق هرمز سينتهي قريبا، إذ يبدو أن من مصلحة الطرفين إنهاءه بسرعة".
ويراهن المستثمرون أيضا على أن أرباح الشركات في القطاعات عالية النمو ستتفوق على أثر التوترات الجيوسياسية، وإذا لم يتحقق ذلك، فإن البنوك المركزية ستتدخل بشكل ملموس وتعمل سريعا على استقرار الأوضاع الاقتصادية.
وأضاف مولد: "إذا ساءت الأوضاع، فإن المستثمرين معتادون على أن تتدخل البنوك المركزية لإنقاذ الموقف عبر خفض أسعار الفائدة، أو برامج الإنقاذ، أو السياسات النقدية غير التقليدية".
وإلى أن تؤدي تكاليف الطاقة المرتفعة إلى تباطؤ واضح في إنفاق المستهلكين، يبدو أن الزخم القادم من قطاع الذكاء الاصطناعي كاف للإبقاء على المؤشرات العالمية قرب مستوياتها القياسية.
وتشير بيانات أرباح الربع الأول إلى أن هذا التفاؤل يستند، حتى الآن، إلى واقع مالي ملموس.
المصدر:
يورو نيوز