يتجاوز النقاش داخل بنك اليابان كونه مراجعة تقليدية لمسار أسعار الفائدة، متخذا طابعا مفصليا يعكس اتجاها جديدا للسياسة النقدية في اليابان. وتُظهر تقارير حديثة أن البنك يدرس رفعا ملحوظا في توقعاته للتضخم بالتوازي مع احتمال زيادة أسعار الفائدة، في سياق تعكس فيه هذه التوجهات مزيجا من العوامل الداخلية وضغوط خارجية متصاعدة، في مقدمتها ارتفاع أسعار النفط واضطرابات مضيق هرمز، بما يظهر حجم انكشاف الاقتصاد الياباني على صدمات الطاقة العالمية.
يأتي هذا التحوّل في بيئة اقتصادية معقّدة تتقاطع فيها ضغوط التضخم المستورد مع تباطؤ محتمل في النمو، إلى جانب ضعف العملة وارتفاع عبء الدين، بالتزامن مع تغير جديد في السياسات الرسمية تقوده رئيسة الوزراء الجديدة ساناي تاكيتشي.
وفي هذا السياق يتجاوز قرار أسعار الفائدة كونه أداة نقدية تقليدية، ليتحوّل إلى عنصر ضمن مسار أوسع لإعادة صياغة التوجهات الاقتصادية، بما يضع نهاية تدريجية لحقبة طويلة من التيسير النقدي.
وتنقل وكالة بلومبيرغ عن مصادر مطلعة قولها إن بنك اليابان يدرس رفع توقعاته للتضخم بشكل حاد في اجتماعه المرتقب، مدفوعا بارتفاع أسعار النفط بنحو 50% منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية.
ويشير التقرير إلى أن هذا الارتفاع يدفع البنك إلى مراجعة تقديراته الحالية البالغة 1.9%، مما يعكس تحوّلا في طبيعة التضخم من ظاهرة داخلية ضعيفة إلى ضغوط سعرية مستوردة يصعب احتواؤها.
لكن في المقابل، يشير التقرير ذاته إلى أن هذه الصدمة قد تدفع البنك أيضا إلى خفض توقعاته للنمو، نظرا لأن ارتفاع أسعار الطاقة يفاقم كلفة الواردات ويضغط على النشاط الاقتصادي.
وفي هذا السياق، يشير محافظ بنك اليابان كازو أويدا، وفقا لما نقلته بلومبيرغ، إلى أن ارتفاع أسعار النفط قد يدفع التضخم إلى الأعلى عبر رفع توقعات الأسعار، في وقت قد يؤدي فيه إلى إضعاف النشاط الاقتصادي، وهو ما يعكس تزامن الضغوط التضخمية مع مخاطر على النمو ويضع السياسة النقدية أمام معادلة معقدة.
ويرى المحلل الاقتصادي ليو لويس، في تحليل نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، أن بنك اليابان "يقف أمام لحظة تاريخية لإعادة الاقتصاد إلى الواقع"، معتبرا أن الوصول إلى مستوى فائدة يبلغ 1% يحمل دلالة رمزية تتجاوز الرقم نفسه، لأنه يمثل كسرا لحقبة استثنائية امتدت نحو ثلاثة عقود من السياسات غير التقليدية.
ويضيف لويس أن الاقتصاد الياباني أصبح "ساخنا نسبيا" مقارنة بماضيه، مستشهدا بارتفاع الأجور بأكثر من 5% للعام الثالث على التوالي، مما يعزز مبررات التحرك نحو رفع الفائدة.
وفي هذا الإطار، تشير رويترز إلى أن صناع القرار في بنك اليابان يواجهون توازنا دقيقا بين احتواء الضغوط التضخمية المتصاعدة وتجنب الإضرار بالزخم الاقتصادي، في ظل بيئة خارجية غير مستقرة، مما يعكس رؤية حذرة داخل البنك تجاه طبيعة التضخم الحالي، الذي يُنظر إليه باعتباره نتاجا لعوامل خارجية قد تكون مؤقتة أو ضاغطة على النمو.
كما تنقل رويترز عن مسؤولين حكوميين تأكيدهم أن دعم الين (العملة الرسمية لليابان) عبر سياسة نقدية أكثر تشددا قد يكون خيارا مطروحا للحد من التضخم المستورد، في إشارة إلى تزايد الترابط بين قرارات الفائدة وتحركات سوق الصرف.
وتؤكد بيانات وكالة الطاقة الدولية وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن نحو 20% من إمدادات النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز، وهو ما يجعل أي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة عالميا.
وبالنسبة لليابان، التي تعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الطاقة من الخارج، فإن هذه الصدمة تتحول فورا إلى تضخم مستورد، لا يمكن للبنك المركزي السيطرة عليه عبر رفع الفائدة فقط.
وفي هذا الإطار، يشير محلل الأسواق في شركة "سي إل إس إيه اليابان"، نيكولاس سميث، في تحليل نقلته فايننشال تايمز، إلى أن الحكومة اليابانية اضطرت إلى تقديم دعم مباشر لأسعار الوقود، بلغ نحو 49.8 ين (31 سنت أمريكي) لكل لتر، للحفاظ على الأسعار ضمن مستويات يمكن تحملها، مما يعكس حجم الضغط الذي يفرضه ارتفاع النفط على الاقتصاد.
ويضيف سميث أن هذا الدعم "يخفي جزئيا الصدمة الحقيقية"، مما يعني أن الضغوط التضخمية قد تظهر بشكل أقوى في حال تراجع هذه الإجراءات.
ويشكّل ضعف الين عنصرا حاسما في تعقيد المشهد، فكل تراجع في العملة يرفع كلفة الواردات، خصوصا الطاقة، مما يسرّع انتقال التضخم إلى الاقتصاد المحلي.
وفي هذا السياق، أشارت تقارير يابانية إلى أن اقتراب الين من مستويات 160 مقابل الدولار يثير مخاوف من تدخل حكومي، كما حدث في فترات سابقة، ويضع ضغطا إضافيا على بنك اليابان لاتخاذ خطوات تدعم العملة.
ويرى خبراء أن رفع الفائدة قد يكون الأداة الأكثر فعالية لدعم الين، لكنه في الوقت ذاته قد يفرض تكلفة مرتفعة على الاقتصاد، مما يعكس مرة أخرى التوازن الدقيق الذي يواجهه صناع القرار.
ولا يمكن فهم قرار رفع الفائدة دون النظر إلى تداعياته على الدين العام، فوفق بيانات بنك التسويات الدولية وصندوق النقد الدولي، تُعد اليابان من أكثر الدول مديونية عالميا، مع نسبة دين تتجاوز 250% من الناتج المحلي.
وتشير تقديرات وزارة المالية اليابانية إلى أن تكاليف خدمة الدين مرشحة للارتفاع بشكل ملحوظ مع أي زيادة في أسعار الفائدة، في ظل اعتماد المالية العامة على بيئة عوائد منخفضة، مما يحد من هامش الإنفاق الحكومي ويعزز مخاطر الضغوط المالية.
وفي هذا السياق يحذر الاقتصادي في جامعة هارفارد كينيث روغوف من أن ارتفاع العوائد في اليابان قد يصل إلى مستويات أعلى بكثير في المرحلة المقبلة، مما يعكس حساسية سوق السندات لأي تغير في بيئة الفائدة ويشير إلى مخاطر مالية محتملة إلى جانب التحديات الاقتصادية.
ويتزامن هذا التحول مع مرحلة سياسية جديدة بقيادة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، في وقت تشير فيه توجهات مكتبها إلى اهتمام متزايد بضبط المسار الاقتصادي في ظل الضغوط الراهنة.
ويرى مراقبون أن هذا التزامن بين التحول السياسي والنقدي قد يسرّع عملية الخروج من حقبة التيسير، ويمنح البنك المركزي غطاء أوسع لاتخاذ قرارات صعبة.
تشير مجمل هذه التطورات إلى أن اليابان تقترب من نقطة تحول تاريخية، فالتضخم لم يعد ضعيفا كما كان، بل أصبح مدفوعا بعوامل خارجية قوية. والين لم يعد مستقرا، بل أصبح مصدر قلق. أما الدين، فقد أصبح عامل ضغط رئيسي.
وفي ظل هذه العوامل، يبدو أن بنك اليابان لم يعد قادرا على الاستمرار في سياساته السابقة دون تعديل. والسؤال لم يعد ما إذا كان سيرفع الفائدة، بل كيف سيوازن بين كلفة هذا القرار ومخاطر تأجيله.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة