في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الجزائر- تقترب الجزائر من تدشين أبرز مشاريعها الإستراتيجية للسكة الحديدية في الجنوب الغربي للبلاد، والذي يعد أحد أضخم مشاريع البنى التحتية في أفريقيا.
يمتد المشروع على مسافة 950 كيلومترا، انطلاقا من ولاية بشار التي باتت تشكل حلقة ربط مع الشبكة الجزائرية للسكك الحديدية، وصولا لأقصى الجنوب الغربي بمنطقة غار جبيلات في تندوف.
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وضع في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 حجر الأساس لهذا المشروع الذي يربط منجم غار جبيلات، أحد أكبر احتياطات الحديد في العالم، بـ3.5 مليارات طن، بمراكز التصنيع والتصدير.
ورغم عدم الكشف عن القيمة الحقيقة للمشروع، فإن مصادر صحفية محلية ذكرت أن قيمة المشروع الجديد تقدر بـ700 مليار دينار (5.2 مليارات دولار).
المشروع يأتي في سياق إستراتيجية وطنية شاملة -أطلقتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة- لتطوير المشاريع المهيكلة، تستهدف توسيع شبكة السكك الحديدية لتصل إلى 15 ألف كيلومتر بحلول عام 2030.
تمتد جسور السكك الحديدية الـ45 على طول إجمالي قدره 20 كيلومترا لعبور مجاري المياه ووديان المنطقة، وتضم أطول جسر للسكك الحديدية في الجزائر وأفريقيا، المنجز فوق وادي "الداورة" (ولاية تندوف) بطول 4.1 كيلومترات وارتفاع 12 مترا.
بعدما كان من المقرر تسليم المشروع في يونيو/حزيران 2026، تم تسريع وتيرة الإنجاز، باعتماد نظام عمل متواصل على مدار 24 ساعة بمشاركة أكثر من 8 آلاف عامل، الأمر الذي ساهم في انتهاء إنجاز المنشآت في الفترة ما بين يوليو/تموز 2024 ونوفمبر/تشرين الثاني 2025، ويسمح بدخوله حيز الاستغلال في يناير/كانون الثاني الجاري.
وعن وتيرة الإنجاز، يقول الخبير الاقتصادي أحمد الحيدوسي إن الأهمية الإستراتيجية للمشروع جعلت الحكومة تسابق الزمن لإتمام البنى التحتية التي تخدم المشروع، معتمدة في ذلك على شراكات مهمة وتقنيات متطورة.
ويرى الحيدوسي -في حديث مع الجزيرة نت- أن إنجاز المشروع بكفاءة محلية في منطقة صحراوية صعبة يعد "مكسبا كبيرا" للعامل الجزائري، الذي اكتسب خبرة دولية في هذا المجال، وفق قوله.
وأكد أن مشروع السكة الحديدية من الناحية الجغرافية يمثل حجر الزاوية في إستراتيجية الدولة لفك العزلة عن الجنوب الغربي، وتأمين سلاسل الإمداد نحو الأسواق الأفريقية.
المشروع السككي يمثل حجر الزاوية في إستراتيجية الجزائر لفك العزلة عن الجنوب الغربي وتأمين سلاسل الإمداد نحو الأسواق الأفريقية
وتوقع الحيدوسي أن يكون المشروع قاطرة تقود التنمية في المنطقة، وأن يحدث دينامية اقتصادية واجتماعية لصالح السكان المحليين، كما أن مد هذا الخط إلى أقصى الجنوب الغربي، تزامنا مع إنجاز طريق "تندوف (الجزائر)/ الزويرات (موريتانيا)" والمنطقة الحرة، سيمنح الجزائر ميزة تنافسية كبرى تسمح لمنتجاتها بالوصول إلى أسواق أفريقيا جنوب الصحراء.
يوضح الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن المشروع ينهي عزلة دامت طويلا لولاية تندوف ومنجمها العملاق، وذلك عبر خلق قطب منجمي لوجستي يحول الجنوب الغربي إلى مركز صناعي عالمي، كما يضمن استغلالا صناعيا بجدوى اقتصادية عالية عبر توفير تكاليف نقل، تعادل ربع تكلفة الشحن التقليدي بالشاحنات.
وأشار تيغرسي -في تصريح للجزيرة نت- إلى أن هذا المشروع ليس مجرد خط نقل، بل أداة سيادية لتحويل الحديد من مورد خام راكد بغار جبيلات إلى محرك نمو شامل، يقلل من هشاشة الاقتصاد تجاه تقلبات أسعار الطاقة، ويدمج الجزائر في الأسواق العالمية بقوة.
ويقول الاقتصادي الجزائري إن المشروع يوفّر شرطا أساسيا لإدماج غار جبيلات في الدورة الاقتصادية الوطنية، من خلال ضمان إمدادات مستقرة لمصانع الحديد والصلب، وتقليص الواردات، ودعم الصناعات التحويلية، إلى جانب تنشيط الجنوب الغربي وتحويله إلى قطب منجمي ولوجستي.
ويرى تيغرسي أن التحكم في سلسلة إنتاج ونقل الحديد يمنح الجزائر أوراق قوة جديدة، تؤهلها لريادة سوق الحديد العالمي بفضل الاحتياطات الضخمة للمنجم، وهو ما سيعزز الصادرات خارج قطاع المحروقات ويدعم احتياطي الصرف، فضلا عن تعزيز المكانة الجيواقتصادية للجزائر في علاقاتها مع قارات أفريقيا وأوروبا وآسيا.
يرى أستاذ الاقتصاد فارس هباش أن مشروع السكة الحديدية الرابط بين بشار وتندوف وغار جبيلات يمثل ركيزة أساسية في التحول الاقتصادي، وأن البلاد تراهن عليه لتثمين ثرواتها المنجمية خارج المحروقات، باعتبارها بنية تحتية سيادية تتجاوز وظيفة النقل إلى إعادة تنظيم سلاسل الإنتاج والتكلفة.
ويؤكد هباش -في تصريح للجزيرة نت- أن العائد الاقتصادي الأبرز للمشروع يتمثل في خفض كلفة إنتاج ونقل خام الحديد، بفضل النقل السككي عالي السعة، مما يسمح برفع حجم الاستغلال وتحقيق اقتصاد الحجم، ويعزز الجدوى الاقتصادية للاستثمار المنجمي على المدى الطويل.
ويعتبر أن السكة تحول خام الحديد من مورد معزول جغرافيا إلى مورد قابل للتسويق والتصنيع، من خلال ضمان تدفق منتظم ومستقر نحو وحدات المعالجة الأولية، خاصة مع دخول وحدة بطاقة 4 ملايين طن سنويا حيز الخدمة نهاية أبريل/نيسان المقبل، وهو ما يرفع القيمة المضافة داخل السلسلة المنجمية ويعزز مساهمة القطاع في الناتج المحلي.
ويرى هباش أن عائد المشروع لا يقاس فقط بحجم الخام المنقول، بل بقدرته على دعم التصنيع المحلي، وتنويع الاقتصاد الوطني، وتقليص التبعية للمحروقات، ضمن رؤية طويلة المدى للبنية التحتية ذات الأثر الاقتصادي العميق.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة