في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الخرطوم- في ركن من أركان سوق البوستة بمدينة أم درمان، يقف الأمير كباشي ممثل أصحاب المكتبات، يتأمل جدران المجمع التي أنهكها الدمار. عاد الأمير كباشي بعد رحلة نزوح اضطراري استمرت 3 سنوات قضاها متنقلا بين ولايات السودان المختلفة، يحمل في قلبه شوقا إلى المكان الذي شكّل ذاكرة الثقافة والوعي لسنوات طويلة.
وقد استعادت المكتبات مكانها في سوق البوستة ، أحد أعرق الأسواق الشعبية في السودان وأكثرها ارتباطا بالذاكرة الجمعية، بعد توقف دام 3 سنوات بسبب الحرب بين الجيش السوداني و قوات الدعم السريع.
ولم تكن العودة مجرد استئناف لنشاط تجاري، بل حملت معها رمزية ثقافية عميقة، أعادت للمدينة جزءاً من روحها التي لطالما ارتبطت بالكتاب والقراءة.
لم يتوقع الأمير كباشي حجم الخراب الذي لحق بالمجمع، لكنه يرى أن إعادة فتح المحلات أعاد الأمل للناس وأحيا ذاكرة المكان.
يقول في حديثه للجزيرة نت، إن عودتهم لم تكن مجرد فتح أبواب مغلقة، بل كانت بمثابة إعادة الروح إلى مجمع المكتبات، حيث يلتقي الناس بالكتب كجسر يربطهم بالمعرفة والفكر وبحياة أوسع من حدود السوق.
وأضاف أن العمل في مجال المكتبات يتجاوز فكرة البيع والشراء، فهو فضاء لنشر الثقافة والوعي ونافذة تربط القراء بمختلف المجالات الفكرية والعلمية. ويؤكد الأمير كباشي أن المكتبات كانت دائماً جزءاً من النسيج الاجتماعي، فهي مرتبطة بالتعليم، بالصحافة، وبالحياة الثقافية العامة.
ويقع سوق البوستة بجوار مبنى البريد والبرق، وقد ظل لأكثر من قرنين مركزاً تجارياً وثقافياً يعكس تنوع أم درمان الاجتماعي والديني. في أزقته الضيقة، تتجاور محلات المنسوجات والبقالات مع المكتبات التي شكلت في الماضي فضاءً للطلاب والمثقفين والباحثين عن المعرفة.
بين أزقة السوق الضيقة، تمتد رفوف الكتب على جانبي الممرات، وقد نُصبت الطاولات الصغيرة لتعرض عناوين متنوعة من الروايات والكتب الفكرية. تتراص المجلدات القديمة جنبا إلى جنب مع الإصدارات الحديثة، فيما تُفرش الكتب على الأرض والطرقات لتغطي المساحات الضيقة، فتبدو وكأنها سجادة من أوراق ومعرفة.
في الجهة الشرقية من مجمع المكتبات على مقربة من مسجد سوق أم درمان، ينشغل عبد الحليم عبد الرحمن بترتيب رفوف مكتبة والده الذي ورث منه المهنة. يقول في حديثه للجزيرة نت، إن ارتباطه بالمكان ارتباط وجداني عميق، وهو ما دفعه للعودة إلى محل أسرته فور سيطرة الجيش على العاصمة الخرطوم، ليعيد إحياء مهنة بيع الكتب التي شكلت جزءاً من ذاكرة السوق.
ويشير عبد الحليم إلى أن الخسائر التي تكبدها أصحاب المكتبات كانت فادحة، إذ تجاوزت خسائر مكتبتهم وحدها 15 مليون جنيه سوداني (نحو 24979 دولاراً)، لكن ذلك لم يمنعه من إعادة فتح أبوابها. ويقول في حديثه للجزيرة نت، إن العودة بالنسبة له ليست مجرد محاولة لتعويض الخسائر، بل هي رسالة بأن الكتاب يظل حاضرا مهما كانت الظروف، وأن الثقافة قادرة على الصمود في وجه الحرب والدمار.
ويضيف أن العمل يمضي بوتيرة متسارعة بفضل الإقبال الكبير، ولا سيما من الفئات الشابة التي فاجأته بحضورها الكثيف. ويرى عبد الحليم في هذا الإقبال مؤشرا على أن الكتاب ما زال يحتفظ بجاذبيته، وأن المكتبات يمكن أن تكون منطلقا لإعادة بناء الحياة الثقافية والاجتماعية في المدينة.
في كشك صغير عند أحد مداخل المجمع، يقف وليد كامل بين رفوف محدودة المساحة لكنها تحمل قيمة كبيرة بما تحتويه من كتب ثقافية وفكرية. يقول وليد في حديثه للجزيرة نت، إنهم فتحوا محلاتهم في بدايات عودة السوق الأولى لتشجيع بقية المكتبات على إعادة الفتح. وأوضح أن هذه الخطوة كانت ضرورية لإعادة الحياة إلى المجمع، ولتوجيه رسالة بأن الكتاب لا يزال حاضرا رغم الظروف.
وأشار وليد إلى أن الحرب لم تترك لهم سوى القليل، إذ فقدوا ممتلكاتهم وتعرضت مكتباتهم للدمار، لكنهم رغم ذلك قرروا العودة.
من جهته، يرى صاحب المكتبة في سوق البوستة ماهر زهير، أن الوضع في المكتبات ليس كما كان عليه قبل الحرب. ويوضح أن هناك إقبالاً من المواطنين لكنه ليس بالحجم الذي اعتادوا عليه في السابق. ويضيف في حديثه للجزيرة نت، أن الوضع الاقتصادي الراهن أثر بشكل مباشر على تردد الزبائن، حيث أصبحت القدرة الشرائية ضعيفة، وهو ما انعكس على حجم المبيعات.
واعتبر ماهر أن مجرد عودة القراء إلى السوق يمثل خطوة إيجابية، لكنه يعتقد أن الطريق لا يزال طويلاً لاستعادة النشاط الثقافي بكامل قوته. وأشار إلى أن معظم المكتبات انتقلت خلال فترة الحرب إلى سوق صابرين بمدينة أم درمان، ولم تعد حتى اللحظة إلى مجمع البوستة. ويرى أن استمرار فتح بعض المكتبات في السوق القديم قد يشجع الآخرين على العودة تدريجيا.
وبعد عودة المكتبات للعمل في سوق البوستة تقول الطالبة الجامعية سارة محمد في حديثها للجزيرة نت، إنها شعرت بفرح كبير وهي تدخل المجمع من جديد بعد سنوات. وتضيف أن عودة المكتبات أعادت لها ذكريات الطفولة، حين كانت تزور السوق مع والدها لاقتناء القصص والروايات. وترى أن اقتناء الكتب يمنح الأجيال الجديدة فرصة للقاء الأفكار والانفتاح على العالم.
وعلى الرغم من عودة عشرات المكتبات إلى سوق البوستة، فإن أصحابها يرون أن هذه العودة كانت ضرورة لا بد منها لإحياء الذاكرة الثقافية للمدينة. ومع أن الإقبال موجود لكنه ما زال محدودا بالنسبة لبعضهم، فإنهم يرون أن مجرد فتح الأبواب مجددا هو بمثابة خطوة أولى في طريق استعادة المكانة التي كان يتمتع بها السوق قبل الحرب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة