آخر الأخبار

كيف يروي “في علم القراءات” قصة التنوع الحضاري من خلال حياة القراء العشرة؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

صدر حديثاً كتاب "في علم القراءات.. حيوات القراء العشرة" لمؤلفه محمد سليمان الشاذلي، عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" (طبعة عام 2026). يقع العمل في 317 صفحة، ويندرج ضمن حقل الدراسات الإسلامية وكتب التراجم. يسعى الكتاب إلى تقديم قراءة مغايرة لتراجم القراء العشرة، معتمداً على المزج بين التوثيق العلمي والأسلوب الأدبي.

ومنذ السطر الأول، أجدني أمام عرض شائق لحيوات القراء العشرة والتعريف بعلم القراءات، فالكتاب الذي بين يدي ليس بالتأليف الأكاديمي وليس بالتحقيق الموسوعي الجاف، وإنما أجدني مع روح تكتب عن أرواح، مع عاشق يتحدث عمن يحب. هذا ما أجده الآن وأنا أقرأ « في علم القراءات.. حيوات القراء العشرة » لمؤلفه محمد سليمان الشاذلي. ولست أقول هذا مجاملة لمؤلف، ولا مديحاً لصديق؛ فأنا لا أعرف الشاذلي معرفة شخصية، وليس لي معه عهد يستوجب الثناء؛ لكنني أقوله بوصفي قارئة تجلس طويلاً مع هذا الكتاب، فتشعر أنها بقراءته صارت أغنى مما كانت.

من الإهداء إلى البناء

يبدأ الكتاب بإهداء يشبه في عمقه متنه كله؛ إهداء لوالد علمه القرآن في سنوات الطفولة الأولى، ولأشياخ جمعهم القرآن والوله بالتلاوة. الإهداء هنا ليس زينة أمام النص، بل مفتاح قراءته كلها؛ فمن لا يفهم أن الكتاب ولد من رحم تجربة إنسانية حية، ومن ذاكرة شخصية معطرة بروائح الخلاوي والدوّايات والألواح؛ لن يفهم لماذا كتب بهذا الأسلوب الفريد وبهذه الدفقة الوجدانية التي نادراً ما نجدها في كتب التراجم؛ فحين يقول المؤلف لقارئه: "لقد اجتهدت، فأسأل الله الأجرين إن أصبت، والأجر إن أخطأت"، فإنه لا يتواضع تواضعاً مصطنعاً، بل يعلن صراحة أنه يكتب بأمانة الباحث، وتوق المحب، وهذا المزج بين التوق والأمانة هو ما يجعل الكتاب نادراً.

في البناء المعرفي

لا يقع الكتاب في الخطأ الذي يقع فيه كثير من الكتّاب في هذا الميدان: خطأ الفصل بين المعرفة والحياة، وبين الترجمة والروح. فالشاذلي لا يكتب عن القراء العشرة كما يكتب المحقق عن النصوص، ولا يكتب عنهم كما يكتب التلغرافي عن الأحداث، بل يكتب عنهم كما يكتب المؤرخ الحقيقي عن التاريخ: يرى في كل اسم حياة، وفي كل سند قصة، وفي كل رواية نهراً جاء من منبع وذهب إلى مصب.

إعلان

وفي ظل هذا الهم المعرفي تحتل المقدمات النظرية حيزاً واسعاً في فضاء النص إذ يضع المؤلف بين يدي قارئه أربع مقدمات تكاد تشكل إطاراً نظرياً للعمل: يشرح الفرق بين القراءة والرواية والطريق، ويبين أركان القراءة القرآنية الثلاثة، ويعرض بإيجاز تاريخ تدوين هذا العلم، بدءاً بالصحابة والتابعين وهم الأوائل الذين عرفوا بالإقراء وصولاً إلى ابن مجاهد الذي أسهم في تقعيد القراءات وتثبيت أصولها وانتهاء بالداني والشاطبي وابن الجزري، الذين اكتملت بهم القراءات العشر، وفي هذه الصفحات القليلة تجد ما يعجز عنه كثير من كتّاب المقدمات الطويلة: الوضوح مع الدقة، والإيجاز مع الشمول.

هيكلية الأسلوب

أنا أدرك أن المقاربة الأسلوبية لهذا الكتاب لا بد وأن تجعله كتاباً من نوع مختلف. فأسلوبه لا يشبه أسلوب كتب التراجم التقليدية، ولا أسلوب الكتاب الأكاديمي المتحفظ. إنه أسلوب المؤلف الذي يقول ما يريد قوله بلا احتياج إلى إذن؛ يسأل ويجيب، ويقف ويتعجب، ويستطرد ويستدرك ويعود، ويدعو القارئ إلى أن يكون شريكاً في رحلة الكتابة لا قارئاً فحسب. والقارئ الحصيف يعرف أن هذا ليس غريباً على التراث العربي؛ فابن خلدون كتب بصوته، والجاحظ كتب بصوته، وطه حسين كتب بصوته. والأسلوب الذي يحمل صوت صاحبه يمتاز بالصدق، وبالتأكيد هو الأسلوب الذي يصل إلى القارئ ويبقى فيه، وأسلوب الشاذلي في هذا الكتاب أسلوب صادق؛ وكفى.

أقلب صفحات الكتاب فأجد المؤلف ينشئ علاقة مباشرة مع القارئ ففي كل صفحة تقريباً استئذاناً من القارئ أو حواراً معه أو دعوة له إلى التفكر: "أيها القارئ العزيز"، "لست أدري"، "أفلا ترى معي"، "أتعجب أن"، فأدرك أن هذه الصيغ ليست ترفاً بلاغياً، بل هي جزء من رؤية متكاملة ترى أن المعرفة لا تنتقل بالإلقاء بل بالمشاركة، وأنها في الوقت نفسه اعتراف من المؤلف بأحقية القارئ في أن يكون شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى وتأويله.

نافع المدني نموذجاً

دعني أتوقف عند ترجمة نافع المدني بوصفها نموذجاً يكشف منهج الكتاب كله. يبدأ المؤلف بتلك الحكاية الرائعة عن المسك الذي كان يُشم من فم نافع حين يقرأ ويروي قوله إنه قرأ على سبعين من التابعين. ولا يكتفي المؤلف برواية هذه الأخبار، بل يقف عندها وقفة المحقق الأمين: "أترى السبعون كانت عدداً مضبوطاً أم كانت تقريباً للتكثير؟ لست أدري. غير أن اللفظ ورد". ثم يمضي إلى ما يكشف لك لماذا وصلت مكانة نافع ما آلت إليه من رفعة وتقدير. ولتكتشف أن تلك المكانة تعود إلى منهجه الذي كان يأخذ فيه ما اجتمع عليه اثنان من شيوخه ويترك ما انفرد به واحد؛ وهذا المنهج، كما يرى الشاذلي، هو الذي جعل قراءة نافع ثمرة جماعة لا مزاج فرد.

وحين يصل إلى شهادة مالك بن أنس الذي قال: "قراءة نافع سنة"، لا يمر عليها مروراً سريعاً، بل يستوقف قارئه بالقول: "أفتحتاج بعد هذا إلى برهان؟"، ثم يورد شهادات أبي عبيد وابن مجاهد والليث وأحمد بن حنبل، ليضع أمام عينيك لوحة بانورامية للقبول الذي نالته هذه القراءة عبر الأجيال.

تتابع القراءة مع المؤلف ليفاجئك بجانب لم تتوقعه؛ نافع صاحب الدعابة، المستأنس بالشعر، الذي كان يطلب أن يُنشد: لا بارك الله فِيمَن كان يَحسبكم إلا على العهد حتى كان ما كانا. وفي هذا التفصيل الصغير، الذي يختار الشاذلي، أن يذكره وأن يتوقف عنده، تكمن أهمية الكتاب؛ فهو لا يريد لك أن تعرف نافعاً إماماً فقط، بل يريدك أن تحبه إنساناً.

ورش وقالون: مفارقة عميقة

تصل إلى الصفحات التي يتحدث فيها المؤلف عن راويي نافع، وتكتشف أن المؤلف يمتلك حاسة مكنته من رؤية التناقض الجميل في قلب هذه التراجم: رجل لا يسمع إلا القرآن! قالون الأصم الذي كان يسمع القرآن حين لا يسمع ضجيج السوق. ورجل لا يسمع إلا بالقرآن: ورش الذي ملأ صوته مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الفجر المتورد، حتى أشار نافع بيده أن أسكت! وهذه المفارقة هي في حقيقتها أعمق من مفارقة بيانية؛ إنها صورة للطريقين اللذين تسلك الأمة من خلالهما إلى حفظ وحي ربها: طريق الهدوء الباطني الذي يجعل الصوت الأصم يسمع ما لا يسمعه الآخرون، وطريق الجمال الظاهري الذي يجعل الصوت العذب يفتح القلوب قبل الآذان.

ابن كثير المكي: عطر الحرف

ولعل الفصول المتعلقة بابن كثير المكي من أجمل ما في هذا السفر الفريد. فحين يقول الشاذلي إن قراءة ابن كثير "خز القراءة"، ويشرح أن الخز ثوب من الحرير الممزوج بالصوف الناعم الذي لا يلفت النظر، لكنه يريحك حين تلبسه، فأنت لا تقرأ وصفاً بلاغياً بل تقرأ تحليلاً موسيقياً ونفسياً دقيقاً لطبيعة قراءة قرآنية بعينها. وحين يصل إلى شهادة الأصمعي، الذي لم يجامل أحداً في العربية، في قوله: "من أراد التمام، فليقرأ بقراءة ابن كثير"، فهنا يتوقف الشاذلي توقف من يعرف قيمة الكلمة عندما تقع في مكانها وذلك عندما يقول: "أي شهادة بعد شهادة الأصمعي تراك تطلب؟".

البزي مؤذن المسجد الحرام أربعين سنة

تصل إلى البزي وتدرك أن الشاذلي يجيد اختيار الجملة التي يختصر بها سيرة رجل كاملة. فحين يورد وصف الذهبي للبزي: "عالم القراءات، الحجة، الثقة، مؤذن المسجد الحرام أربعين سنة"، ثم يقول: "لم يقل الذهبي كم كتاباً ألف، ولا كم طالباً تخرج على يديه. قال: مؤذن المسجد الحرام أربعين سنة؛ لأن هذه الجملة لتقول كل شيء". وهنا لا أبالغ حين أقول: إن هذه المقاربة، مقاربة الحياة لا التاريخ فحسب، ومقاربة الإنسان لا المنجز فحسب، وأنها اشتغال فريد يجعل كتاب الشاذلي يختلف عن غيره من كتب التراجم.

في المنهج والمصادر

أجزم أن الباحث المتخصص لن يشكو من شح المصادر في هذا الكتاب – المرجع؛ فكل خبر فيه مسند، وكل رواية فيه موثقة بمرجعها: ابن الجزري في "غاية النهاية"، و"النشر في القراءات العشر"، والداني في "التيسير" و"جامع البيان"، والذهبي في "سير أعلام النبلاء"، و"معرفة القراء الكبار"، والسخاوي في "جمال القراء"، وكثير غيرهم. والشاذلي يوثق بدقة، وينبه على الاختلاف في الروايات بنزاهة علمية قل مثيلها، ويتحاشى الجزم حين لا يجوز الجزم. لكنه في الوقت نفسه لا يجعل التوثيق يخنق المتن ويجففه. فالهوامش في خدمة النص، والتحقيق في خدمة العلم؛ وهذا التوازن صعب المراس، وهو من يجيده فقد أجاد أصعب ما في الكتابة العلمية في هذا الميدان.

ما لا يقوله الكتاب صراحة

يضمر الكتاب رسالة لا يقولها صراحة، لكن القارئ المتأمل يلمحها في كل فصل: أن هذا العلم: علم القراءات، ليس ترفاً معرفياً ولا اختلافاً في القرآن كما يتوهم بعضهم، بل هو حفاظ للأمة على تنوعها اللغوي وسعتها الحضارية. فحين تقرأ أن نافعاً جاء من أصبهان وصار إمام المدينة، وأن ورشاً جاء من قفط بصعيد مصر ومر بالمدينة وعاد يملأ المغرب بقراءته، وأن جد البزي جاء من همدان وأسلم ليكون حفيده مؤذن المسجد الحرام، تدرك أن هذا العلم هو، في أحد وجوهه، أعظم قصص الوحدة في التنوع في تاريخ الحضارة الإنسانية وليس الإسلامية فقط… وهو ما رمى المؤلف إلى توصيله إلى قارئه المعاصر.

كتاب يستحق قارئين

يستحق هذا الكتاب قارئاً أول يقرأه قراءة انتباه ودهشة، وقارئاً ثانياً يعود إليه مرة بعد مرة، فيجد في كل قراءة ما لم يجده في سابقتها. فمن كان يريد أن يعرف القراء العشرة تاريخياً وجد ضالته. ومن كان يريد أن يعرف مكانة هؤلاء الأئمة العشرة الذين أسهموا في حفظ ألفاظ القرآن الكريم عبر العصور وجد ضالته، ومن كان يبحث عن الدليل على أن علوم الشريعة الإسلامية يمكن أن تُكتب بجمال أدبي وأناقة لغوية لا تفقدها دقتها، وجد هنا نموذجاً يُحتج به.

إعلان

يقول الشاذلي في مقدمته: "لكم أود، مخلصاً متحمساً، أن تحب معي هؤلاء القراء والرواة"، وأنا أقول له، بعد القراءة: نعم لقد أحببت هذا الكتاب وسيحبه القراء لأن فيه من تعدد القراءات، وتنوع الدلالات، ما لا يحصى عدداً، وإنك نجحت تمام النجاح. فالكتاب الذي يجعلك تحب ما لم تكن تعرفه، وتشعر بما لم تكن تحسه، ويخرجك من قراءته وأنت أكثر ثراء مما كنت حين دخلت، ذلك الكتاب يستحق أن يُقرأ، ثم يُقرأ مرة ثانية، ثم يُوهب لمن تحب. أخيراً أقول إني كتبت هذا الرأي لمن يحبون الكتب التي تصنع الفرق.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار