قال وزير التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية الإيراني رضا صالحي أميري، في مقابلة مع الجزيرة نت، إن الأضرار التي لحقت بعدد من المواقع الأثرية والتاريخية في إيران خلال الحرب لا يمكن النظر إليها، من وجهة نظره، على أنها أضرار جانبية فحسب، بل تمثل اعتداء على التراث الثقافي الإيراني وعلى هوية البلاد الحضارية، منتقدا صمت المنظمات الدولية إزاء استهداف مواقع قال إنها جزء من التراث الإنساني العالمي.
وفيما يلي الحوار كاملا:
الحقيقة أن هذه الأيام من أصعب الأيام التي تمر على الشعب الإيراني. ومن دون أي منطق قانوني، ومن دون أي منطق دولي، وجدنا أنفسنا في ظل عدوان شامل من النظام الإسرائيلي القاتل للأطفال، كما تعرضنا أيضا في الجنوب لهجمات أمريكية وحشية.
وفي هذه الظروف الصعبة، لا نتحدث فقط عن استهداف البشر أو المنشآت، بل نتحدث أيضا عن استهداف المراكز التاريخية والحضارية والثقافية. وهذا أمر بالغ الخطورة، لأن المسألة هنا لا تتعلق بالحجر فقط، بل بما يمثله هذا الحجر من هوية وذاكرة وتاريخ.
لكن ما رأيناه في هذه الحرب، للأسف، هو أن أيا من هذه القواعد لم يجر احترامه. رأينا أن الجهة التي شنت هذه الهجمات لم تعترف بأي من القواعد الدولية الناظمة لحماية التراث الثقافي والحضاري والتاريخي. وهذا لا يمثل فقط خرقا قانونيا، بل يمثل أيضا انهيارا في المعايير الإنسانية والأخلاقية التي يفترض أن تبقى قائمة حتى في أزمنة الحرب.
نحن نقف اليوم في أحد هذه المواقع، في قصر غلستان، وهو واحد من أهم وأعرق المباني التاريخية في طهران. تاريخ هذا الموقع يعود إلى العصر الصفوي، ثم استكمل في العصر القاجاري، وأضيفت إليه أجزاء أخرى خلال مراحل لاحقة. وهذا يعني أننا نتحدث عن موقع تختزن جدرانه وفضاءاته مراحل متعددة من التاريخ الإيراني.
وقصر غلستان بالغ الأهمية من حيث قيمته الوطنية، إذ سجل على المستوى الوطني عام 1956، كما أنه بالغ الأهمية أيضا من حيث قيمته الدولية، إذ سجل على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2013. وبالتالي، فإن هذا الموقع لم يعد فقط موقعا ذا قيمة لإيران وحدها، بل أصبح موقعا ذا قيمة عالمية، وعلى الجميع أن يعملوا على حمايته.
يجب أن يعلم الناس أن هذه المباني ليست مجرد مبانٍ، وليست مجرد زخارف أو عناصر معمارية أو فضاءات هندسية فقط، وإن كانت كذلك أيضا. هي أكثر من ذلك بكثير. هذه تمثل هوية أمة، وتمثل تاريخ شعب. والشعوب تعيش بتاريخها وحضارتها، وتستمد جزءا كبيرا من معناها واستمرارها من هذا الإرث الحضاري المتراكم.
نحن في إيران لدينا 43 ألف موقع أثري مسجل على المستوى الوطني، ولدينا 29 موقعا مسجلا على المستوى العالمي. وهذا بحد ذاته يوضح حجم المسؤولية الواقعة على عاتقنا وعلى عاتق المجتمع الدولي في حماية هذه المواقع.
وقصر غلستان واحد من أهم المواقع التي نملكها في طهران، وهو يستقبل سنويا عشرات الآلاف من الزوار، والزيارات إليه تجري يوميا وبصورة دائمة، وخاصة في هذا الفصل مع عيد النوروز، حين يكون الإقبال على هذه المواقع كبيرا جدا.
للأسف، أنتم ترون بأعينكم كيف تبدلت أجواء المكان اليوم. حجم التخريب، وحجم ما وقع هنا، يبعثان على قلق شديد. نحن لا نتحدث عن ضرر بسيط أو محدود. أنظروا إلى هذا الفضاء، أنظروا إلى الثريا كيف تعرضت للتخريب، وأنظروا إلى آثار موجة الانفجار التي ألحقت تشوها واضحا بالمكان، وأنظروا إلى السقف، حيث سقطت أجزاء من الزخارف الدقيقة والأعمال التزئينية.
هذه الأضرار ليست من النوع الذي يمكن إصلاحه بسرعة أو بصورة عادية. نحن نحتاج إلى سنة أو سنتين على الأقل حتى نتمكن من ترميم هذا الموقع. وبعض الأجزاء ستحتاج إلى دراسة دقيقة جدا، وإلى تدخل كبار خبراء الترميم. لدينا في معهد التراث الثقافي أكثر من 300 خبير كبير يعملون في 5 مراكز بحثية، ويشتغلون في مجالات الترميم والآثار على المستوى الوطني. لكن مع ذلك، فإن الضرر هنا كبير، وإعادة المعالجة تحتاج إلى وقت طويل وعمل علمي وفني دقيق.
والأمر الأهم هو أن الترميم، مهما كان متقنا، لا يعيد الأثر إلى النقطة الأولى تماما. هذه حقيقة يعرفها كل من يعمل في مجال صون التراث. لذلك فإن كل ضرر يلحق بموقع تاريخي من هذا النوع هو خسارة حقيقية لا يمكن تعويضها بالكامل.
لا، للأسف، لم يقتصر الأمر على قصر غلستان. هناك مواقع أخرى تعرضت لأضرار جسيمة. قصر جهل ستون في أصفهان، وهو من أثمن المباني التاريخية في إيران، تعرض هو الآخر لأضرار كبيرة. وتحدثت مرات عدة مع المدير العام والمحافظ والمسؤولين المحليين في أصفهان، وحجم الخسائر في هذا الموقع يبعث على قلق بالغ.
وفي خرم آباد، فإن الهجمات ألحقت أضرارا شديدة بقلعة فلك الأفلاك، وهي من المواقع التاريخية البارزة في إيران. وفي طهران أيضا كانت هناك أضرار في مبنى مجلس الشيوخ القديم، الذي يعرف اليوم بمجلس الخبراء. كما سجلت أضرار أخرى في مناطق متعددة من البلاد.
وفي أصفهان أيضا، وهي من المدن التي تعبر بقوة عن الهوية التاريخية الإيرانية، تعرضت مواقع مهمة لأضرار، من بينها المسجد الجامع، ومسجد الإمام، وهو من الصروح التاريخية الفريدة، كما تعرض جهل ستون للتخريب.
وفي كردستان تعرض متحف خسرو آباد لأضرار خطيرة نتيجة ضغط موجات الانفجار. وحتى في مازندران وبهشهر سجلت اعتداءات جديدة في قصر صفي آباد. وهذا كله يدل على أن دائرة الأضرار والاستهداف تتسع، ولا تقف عند موقع واحد أو مدينة واحدة.
تقديرنا، أنا وزملائي في قطاع التراث الثقافي، أن هناك هجوما متعمدا وواعيا على التراث الثقافي الإيراني قد بدأ. ليس من السهل أن نرى هذا العدد من المواقع التاريخية والثقافية يتعرض للأذى ثم نقول إن الأمر كله عرضي أو جانبي. هناك انطباع قوي لدينا بأن التراث نفسه صار هدفا.
يبدو أن هناك من يعتقد أن ضرب هذه المباني والمواقع يمكن أن يهدم هوية الأمة أو يضعفها أو يقطع صلتها بتاريخها. لكن هذا وهم باطل. نعم، هذه المواقع تمثل رموزا كبرى للهوية، وضربها يترك جرحا عميقا، لكن لا يمكن تدمير هوية شعب عبر استهداف الحجر فقط. الهوية أعمق من ذلك، ومع ذلك يبقى ما جرى اعتداء مباشرا على رموز هذه الهوية الوطنية.
الخطورة هنا مزدوجة. أولا لأننا أمام مواقع ذات قيمة تاريخية، وثقافية، ووطنية وعالمية. وثانيا لأن الضرر الذي يقع عليها لا يمكن محوه بالكامل حتى بعد الترميم. عندما نتحدث عن قصر تاريخي، أو مسجد قديم، أو قلعة، أو مبنى تراثي، فنحن لا نتحدث عن منشأة حديثة يمكن إعادة بنائها من جديد من دون خسارة في المعنى أو المادة الأصلية. نحن نتحدث عن طبقات من التاريخ، وعن أعمال فنية ومعمارية أصلية، وعن شواهد مادية على مراحل كاملة من حياة الأمة.
ولهذا فإننا عندما نقول إننا سنرمم، فهذا لا يعني أن المكان سيعود كما كان تماما. الترميم يحتاج إلى وقت، ودراسات، وخبرات متخصصة، وحتى بعد ذلك تبقى الخسارة قائمة. هذه نقطة مهمة جدا في فهم خطورة ما جرى.
نعم، وهذا جانب مهم جدا. ما رأيناه اليوم في المواقع التاريخية الإيرانية أمر بالغ الخطورة. نحن، في حدود ما نتذكر خلال العقود الماضية، لم نشهد مثل هذا النوع من التخريب في مبانينا التاريخية، حتى في زمن الحرب مع العراق. هذه نقطة مهمة، لأن معناها أن الحدود الإنسانية والأخلاقية، بل وحتى القواعد الدولية التي كانت تحكم سلوك الأطراف في الحروب، قد تعرضت لانهيار واضح.
حين تصل الهجمات إلى هذا المستوى من المساس بالمواقع التاريخية والحضارية، فإننا نكون أمام تطور خطير جدا، لا على مستوى إيران فقط، بل على مستوى فكرة حماية التراث أثناء النزاعات.
أطرح سؤالا واضحا بصفتي وزير التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية في إيران: لماذا تصمت المؤسسات الدولية؟ لماذا تصمت الأمم المتحدة؟ لماذا تصمت لاهاي؟ لماذا تصمت اليونسكو؟ ولماذا لا نرى موقفا واضحا من الجهات الدولية المعنية أمام هذه الأعمال غير الإنسانية والمنافية للبشرية؟
حين يسجل موقع ما على قائمة التراث العالمي، فإنه لا يعود ملكا لبلد واحد فقط، بل يصبح ملكا للبشرية جمعاء. نعم، هو موجود في جغرافيا طهران أو أصفهان أو غيرهما من المدن الإيرانية، وعلى أرض إيران، لكن حين يسجل عالميا يصبح تراثا مشتركا للإنسانية. ولذلك فإن الصمت على استهدافه يثير أسئلة كبيرة، ويجعلنا نتساءل عن جدوى هذه المنظومة الدولية إذا لم تتحرك حين يكون الخطر بهذا الوضوح.
كما ننتظر من وسائل الإعلام الكبرى في العالم أن تنقل هذه الصورة إلى الرأي العام العالمي بوضوح. ننتظر منها أن تظهر أن ما نعيشه هو حرب ظالمة وغير إنسانية، وأن ما يجري فيها لا يقتصر على استهداف الأشخاص، بل يمتد إلى استهداف المباني التاريخية والرموز الحضارية.
في هذه الحرب، بحسب ما نراه، لا نرى التزاما بالقوانين، ولا بالمبادئ التي يفترض أنها محترمة حتى في النزاعات المسلحة. من قتل الأطفال إلى استهداف المواقع المدنية إلى ضرب المباني التاريخية، نحن أمام مشهد يجب أن يعرض بوضوح على العالم، لأن الرأي العام العالمي يجب أن يعرف أن التراث الثقافي نفسه صار عرضة للاستهداف.
أتوقع من جميع الإيرانيين في الخارج، الذين يرتبطون بهذا الوطن ويتعلقون به، أن يتحركوا. هذا التحرك يمكن أن يكون عبر العرائض، وعبر النداءات، وعبر الصور، وعبر ردود الفعل القانونية اللازمة، وعبر مخاطبة المحافل الدولية. المطلوب منهم أن يؤكدوا للعالم أن ما يحدث اليوم لا يقتصر على استهداف أبناء إيران وأطفالها تحت عدوان قاس، بل يشمل أيضا استهداف المباني التاريخية والهوية الوطنية الإيرانية نفسها.
هذه مسؤولية وطنية وأخلاقية. لأن الدفاع عن هذه المواقع ليس دفاعا عن أحجار صامتة، بل عن الذاكرة الوطنية، وعما يربط الأجيال الإيرانية بتاريخها وحضارتها.
هنا أيضا لدينا مخاطب واضح، هو العالم الإسلامي والعالم العربي. بيننا وبين هذه الشعوب نقاط اتصال ثقافية قوية وعميقة. ولذلك فإن ما يجري في إيران لا ينبغي النظر إليه على أنه شأن محلي داخلي فقط، بل بوصفه مساسا بتراث حضاري وثقافي له امتدادات في هذه المنطقة كلها.
نحن ننتظر من المسلمين، ومن العرب، مواقف واضحة حيال ما يحدث. لأن ما نراه اليوم في طهران أو أصفهان أو خرم آباد، إذا لم يلق موقفا رافضا وحازما، فقد يتكرر غدا في أماكن أخرى من العالم الإسلامي. وهذه ليست مسألة سياسية فقط، بل مسألة ثقافية وحضارية وإنسانية أيضا.
بالتأكيد. هناك من يظن أن استهداف هذه المباني والمواقع يمكن أن يهدم هوية الأمة أو يضعف ارتباط الشعب بتاريخه وحضارته. لكن هذا تصور خاطئ. نعم، يمكن إلحاق أضرار بمبانٍ، أو بمدارس، أو بمستشفيات، أو بمواقع تاريخية، لكن لا يمكن سلب شعب إيمانه بأرضه وتاريخه وحضارته. هذا الإيمان موجود في وجدان الناس وفي وعيهم، ولا يمكن محوه بالتخريب أو بالقصف.
صحيح أن هذه الاعتداءات تترك جروحا عميقة، لكن الاعتقاد بأن استهداف التراث المادي سيؤدي إلى انهيار الهوية الوطنية هو اعتقاد باطل. الهوية الحية للشعوب أقوى من ذلك، وإن كانت هذه المواقع تمثل شواهد عظيمة عليها.
رسالتنا إلى العالم واضحة: نحن لم نكن من بدأ الحرب. وكنا، بحسب رؤيتنا، على طاولة التفاوض، وكانت استراتيجيتنا قائمة على التفاهم عبر التفاوض، لكن الطرف الآخر حول هذا المسار إلى حرب شاملة ودامية. ومن الطبيعي أن أي شعب يتعرض لعدوان على أرضه سيختار المقاومة والدفاع عن بلاده.
الشعب الإيراني اختار المقاومة، وسيواصل الدفاع عن أرضه، وتاريخه، وهويته وحضارته. ويمكن أن تلحق أضرار بمبانٍ ومواقع كثيرة، لكن لا يمكن انتزاع علاقة هذا الشعب بأرضه وبتاريخه. فإن إيران هي روحنا وهويتنا وشرفنا، وسندافع حتى اللحظة الأخيرة عن هذه الأرض، وعن هذه الجغرافيا، وعن هذه الثقافة، وعن هذه الحضارة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة