إيليا ريبين.. الفنان الذي لم يتوقف عن الرسم حتى آخر أيامه
تُصادف اليوم، 29 سبتمبر، ذكرى رحيل الفنان الروسي إيليا ريبين، أحد أبرز رموز الواقعية، الذي ظل يرسم حتى سنواته الأخيرة.
قال ليف تولستوي ذات مرة عن إحدى لوحات ريبين: "إتقان لا مثيل له!"، في عبارة تختصر جانبا من المكانة التي احتلها الفنان بين كبار رسامي روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
ترك ريبين وراءه أعمالا ضخمة مثل "بحارة على نهر الفولغا" و"قوزاق زابوروجيا يكتبون رسالة إلى السلطان التركي"، إلى جانب لوحات ارتبطت بالواقعية الروسية وحركة "الجوّالين" الفنية، مثل "رفض الاعتراف" و"لم يكونوا يتوقعون". كما رسم عددا كبيرا من بورتريهات معاصريه، بينهم ليف تولستوي، وليونيد أندرييف، والممثلة بيلاجيا ستريبتوفا، وموديست موسورجسكي، وديمتري مندلييف، ونيكولاي بيروغوف، ونيكولاي غي، وفلاديمير ستاسوف.
ورأى الفنان ومؤرخ الفن إيغور غرابار أن ريبين كان "ظاهرة هائلة حقا"، مشيرا إلى تعدد تجاربه وأحاسيسه وأفكاره وتناقضاتها، وإلى ما امتلكه من سحر شخصي نادر. لكن إحدى أكثر سماته لفتا للنظر كانت قدرته على الإعجاب بمواهب الآخرين.
مصدر الصورة
وصف ريبين رسام المناظر الطبيعية فيودور فاسيليف بأنه "شاب استثنائي"، وأرخيب كويندجي بأنه "ساحر غمره الفرح بانتصار عبقريته"، فيما رأى في نيكولاي غي "موهبة فذة". وكان يعد كلمة "عديم الموهبة" من أقسى الكلمات التي يمكن أن تقال في حق شخص.
أما تجاه نفسه، فكان أكثر قسوة بكثير. وبحسب الكاتب كورني تشوكوفسكي، الذي عرفه نحو ربع قرن، كان ريبين يتمتع بتواضع شديد تجاه موهبته، ووصف نفسه بأنه "شخص مجتهد متوسط الموهبة ارتكب كثيرا من الأخطاء". وكان يتعامل مع أعماله بصرامة تصل أحيانا إلى حد رفض بيعها، إذ حكى لتشوكوفسكي أنه أقنع أحد المشترين بالعدول عن شراء لوحة لأنه رأى أنها "رديئة ولا تستحق الشراء".
وكان هذا النقد الذاتي مرتبطا، في رأي تشوكوفسكي، بالطريقة المرهقة التي كان يعمل بها. فقد كان ريبين يعيد النظر في لوحاته مرارا، ويغيّر تفاصيلها ويعيد رسمها، حتى إنه كان يعيد إنجاز اللوحة الواحدة من عشر إلى اثنتي عشرة مرة.
وكان ريبين يتعامل مع رسم البورتريه باعتباره علاقة إنسانية مؤقتة، إذ قال إنه عندما يرسم شخصا ما "يقع في حبه" لفترة قصيرة، ويشعر تجاهه بلطف مضاعف وحنان خاص ممزوج بالاحترام.
مصدر الصورة
ظهر ذلك بوضوح في علاقته بكانين، أحد جرّاري المراكب الذين رسمهم في "بحارة على نهر الفولغا". وصف ريبين كيف كان يراقبه أثناء الرحلة، مفتونا بملامحه وشخصيته ولون بشرته وقميصه، حتى بدا له "لغزا عظيما". ولم يكن اهتمامه منصبا على الشكل وحده، بل على الشخصية التي كان يحاول الوصول إلى جوهرها من خلال الرسم.
وعندما عُرضت اللوحة على الجمهور، استاء ريبين من محاولة تفسيرها باعتبارها تجسيدا بصريا لقصيدة نيكولاي نيكراسوف "عند المدخل الأمامي"، مؤكدا أن فكرة العمل نشأت لديه بصورة مستقلة. وبعد سنوات، قال إنه كان يتذكر كانين كلما رأى تولستوي يعمل في الحقل بقميصه المبلل بالعرق.
ولم يكن ريبين يرسم الشخصيات الشهيرة في لحظاتها الرسمية فقط، بل كان يفضل أحيانا أن يظهرها في حياتها اليومية: تولستوي في الحقل أو مكتبه في ياسنايا بوليانا، وميخائيل غلينكا وهو يؤلف أوبرا، وأنطون روبنشتاين وهو يقود فرقة موسيقية. كما رسم الشاعر أفاناسي فيت، وموديست موسورجسكي في سنوات مرضه.
وفي عام 1915، عرّف تشوكوفسكي ريبين إلى فلاديمير ماياكوفسكي، رغم نفور الفنان الشديد من المستقبليين. لكن اللقاء انتهى بإعجاب ريبين بالشاعر، حتى إنه وصفه بأنه "واقعي متمرس للغاية"، وعرض عليه رسم بورتريه له.
مصدر الصورة
كان ريبين قد رفض رسم بورتريه دوستويفسكي، وتجنب لفترة طويلة العمل مع إيفان بونين وفاسيلي روزانوف، ولذلك كان عرضه على ماياكوفسكي استثنائيا. لكنه لم يتمكن من تنفيذ الفكرة؛ فقد كان يريد تصوير الشاعر بشعره الطويل، بينما حضر ماياكوفسكي إلى المرسم حليق الرأس. فقال ريبين بحسرة: "أردت أن أصورك خطيبا للشعب، وأنت...".
ومع كل هذا الجهد، ظل الرسم بالنسبة إلى ريبين أقرب إلى التنفس منه إلى العمل. ويصف تشوكوفسكي سعادته أثناء رسم الوجوه، وكأنه كان ينتظر طوال حياته لحظة التقاط ذلك الوجه تحديدا على الورق.
وعندما تقدّم به العمر ولم يعد قادرا على الإمساك بالفرشاة بيده اليمنى، بدأ يتعلم الرسم باليسرى حتى لا ينقطع عن الفن. وحين حالت الشيخوخة دون قدرته على حمل لوحة الألوان، علّقها حول عنقه بأحزمة خاصة، وواصل العمل من الصباح حتى الليل.
هكذا ظل الرسم حاضرا في حياة ريبين حتى سنواته الأخيرة، ولم يتحول تراجع الجسد إلى سبب للتخلي عن الفن؛ فبالنسبة إلى الفنان الذي أمضى حياته في محاولة فهم الإنسان ورسمه، بقيت الفرشاة وسيلته الأخيرة لمواصلة ذلك البحث.
المصدر: موقع ثقافة بطرسبرغ