(CNN)-- عندما يسير كبار نجوم التلفزيون على السجادة الحمراء في مسرح "بيكوك" بوسط لوس أنجلوس لحضور حفل توزيع جوائز "إيمي"، الاثنين، سيجمع العديد من المرشحين الأوفر حظاً قاسمٌ مشترك؛ وهو ليس أزياءهم الفاخرة التي صممها كبار المصممين، بل إن شخصيات تكافح من أجل تدبير أمور حياتها اليومية هيمنت على ترشيحات هذا العام .
ففي حين كانت ما يطلق عليها حقبة "العصر الذهبي للتلفزيون" تزخر بقصص أبطال سلبيين متورطين في أعمال مشبوهة، نجد أن العديد من المرشحين الأبرز لجوائز "إيمي" هذا العام عبر فئات رئيسية في الكوميديا والدراما، لعبوا أدوار شخصيات عادية حسنة النوايا، تحاول الصمود في ظل ظروف تزداد قسوة وصعوبة .
بدءاً من الأطباء الذين يعانون من صدمات نفسية في مسلسل "The Pitt" ويواجهون تداعيات سياسات التقشف والإجراءات الصارمة في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومروراً بمسؤولي المدينة في مسلسل "Widow’s Bay" الذين يكافحون لحماية بلدتهم الصغيرة من قوة تبدو خارجة عن سيطرتهم، ووصولاً إلى معلمي مدرسة "Abbott Elementary" الذين يحاولون تعليم طلابهم في مدرسة عامة تفتقر إلى التمويل الكافي.
وصرّح آلان سيبينوال، الناقد التلفزيوني السابق لمجلة رولينغ ستون، والذي يدير حالياً موقع "What’s Alan Watching?" بعد أن مرّ بتجربة تسريحه من العمل قبل عام: "الجميع يكافحون بطرق مختلفة.. ثمة فكرة مفادها أن علينا إيجاد حلول وفهم الأمور، لأن النظام الذي نشأنا في ظله، أو ذلك الذي سمعنا عنه من الأجيال السابقة، لم يعد قائماً أو فعالاً كما كان".
وفي وقت سابق من هذا الصيف، وصفت الناقدة التلفزيونية في مجلة نيويوركر عام 2026 بأنه "عصر التلفزيون الذي يعكس واقعاً مأزوماً"، مشيرةً إلى شخصيات تعاني من صعوبات اقتصادية في مسلسلات رُشحت لجوائز "إيمي" مثل "DTF St. Louis" و "Beef" و "The Bear" و "The Comeback" كدليل على "الثمن العاطفي للعيش في عالم يعاني من التصدع والانهيار " .
وقد سلطت قائمة الأعمال التلفزيونية لعام 2026 الضوء على تداعيات انقسام المجتمعات لأسباب شتى. ففي مسلسل "Task" الذي نال عنه كلٌّ من مارك روفالو وتوم بيلفري ترشيحات للجوائز؛ يجد رجال الشرطة والمجرمون، على حد سواء، في مناطق الطبقة العاملة بولاية بنسلفانيا أنفسهم مضطرين إلى مواجهة قضايا تعاطي المخدرات، وتفكك الأسر، والفساد.
كما يتتبع مسلسل "Slow Horses" ، وهو أحد الأعمال المرشحة لجائزة أفضل مسلسل درامي، مجموعةً من الجواسيس العاديين للغاية، وإن كانوا أبطالاً بطريقتهم الخاصة، وهم يواجهون تحديات الإرهاب والشعبوية.
وحتى مسلسل "Love Story: John F. Kennedy Jr. & Carolyn Bessette" ؛ كان في جوهره قصة امرأة عادية انجرفت إلى عالم السياسة والشهرة، ما أدى في النهاية إلى تدهور حياتها بشكل مأساوي .
ثم هناك قضية الذكاء الاصطناعي؛ إذ تضمنت مسلسلات مثل "Hacks" و "The Comeback" و "The Pitt" خطوطاً درامية يواجه فيها أبطالٌ حسنو النية التغيرات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على مجالات عملهم، سواء أكانت تلك التغيرات إيجابية أم سلبية. حتى إن "العقل الجمعي للكائنات الفضائية" في مسلسل "Pluribus" فُسِّر على أنه استعارة للذكاء الاصطناعي. وفي هذا الصدد، قال الناقد سيبينوال: "إنها حالة من القلق يشعر بها العاملون في مختلف القطاعات، لكنها تبدو حادة بشكل خاص في مجال الترفيه".
من "البطل النقيض" إلى "نقيض البطل النقيض "
ليس من المستغرب أن تسعى البرامج التلفزيونية إلى عكس صورة المشاهدين أنفسهم، إلا أن هذا الوسيط الإعلامي كان غالباً وسيلة لسرد قصص شخصيات يصعب التعاطف معها، وهي تتخذ قرارات سيئة للغاية؛ فالأعمال التي ارتبطت غالباً بـ"العصر الذهبي للتلفزيون" مثل "Mad Men" و "Breaking Bad" و "The Wire" و "The Sopranos" ، تمحورت جميعها حول شخصيات قد تكون منفرة أحياناً، بينما كانت تتصارع من أجل فرض هيمنتها وسيطرتها.
وأشار بريت مارتن، الذي وثّق في كتابه الصادر عام 2014 بعنوان "رجال صعبون: خلف كواليس ثورة إبداعية" صعودَ عصر "الدراما التلفزيونية المرموقة"، إلى أن العديد من تلك الأعمال الدرامية التي قادها "أبطال إشكاليون" (أو أبطال مناقضون للبطل التقليدي) في أواخر العقد الأول وأوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كانت مهووسة بمفاهيم الرجولة والسلطة، وقال: "لقد أبدعها رجال في منتصف العمر، كانوا مفتونين برجال في منتصف العمر وبمشكلاتهم؛ إذ تمحور الكثير منها حول الصراع الداخلي بين النزوع نحو الخير أو الشر".
لكن مارتن يرى أن تلك المسلسلات، التي ركزت في غالبيتها على رجال تملّكهم هوس السلطة، وكانوا يميلون إلى الانصياع لأسوأ نزواتهم وتجاهل القواعد، كانت أيضاً مستشعرةً للقوى التي مهدت الطريق لظهور "حقبة ترامب". وأضاف: "لقد كشفت السنوات الخمس عشرة الماضية مدى بُعد نظر أولئك المبدعين فيما يتعلق بالأزمة القادمة، وبالواقع الذي أصبحت عليه أمريكا في عام 2026؛ فنحن نعيش، بطريقة ما، في العالم الذي حذرتنا منه تلك المسلسلات".
وبالتالي، من المفهوم أن يشعر كلٌّ من صنّاع الأعمال والجمهور بالملل من الشخصيات الرئيسية الصدامية والمشاكسة، وأن يتوقوا في الوقت ذاته إلى شكل من أشكال الهروب من الواقع... بشخصيات تختلف عن النخب في مسلسل "Succession" أو الشخصيات السياسية النرجسية في مسلسل "Veep" ، وقال مارتن: "لم يعد الأمر يبدو مجرد لعبة صالونات كما كان في السابق".
في الماضي، ربما كان هذا التوق إلى وجود توازن مقابل يُلبّى من خلال مسلسلات تبعث على الشعور بالرضا وتتميز بإيجابية طاغية، مثل مسلسل "Ted Lasso" أما الآن، فيبدو أن الجمهور ينجذب أكثر إلى الأعمال التي تعكس معاناته الشخصية أو تذكره بوجود آخرين يعملون بلا كلل لإصلاح الأمور .
وينطبق هذا بالتأكيد على المسلسل الأكثر ترشيحاً للجوائز، " The Pitt "؛ فرغم ما يزخر به العمل من مشاهد دموية وصدمات قاسية، فإنه يبعث على شعور غريب بالراحة والطمأنينة. وقال عنه سيبينوال: "إنه مسلسل يتمحور حول أطباء أبطال يسعون إلى بذل قصارى جهدهم في ظل ظروف صعبة. إنك تشاهده وتشعر بتفاؤل أكبر تجاه الطبيعة البشرية، حتى وأنت تتلقى تذكيراً بكل التعقيدات والمآسي الموجودة في العالم".
المصدر:
سي ان ان