آخر الأخبار

لماذا يشعر البعض بالألم أكثر من غيره؟

شارك
مصدر الصورة

لماذا نشعر بالألم؟ في الظروف الطبيعية، يُعدّ الألم رسالة يبعثها الدماغ لتنبيه الإنسان إلى وجود خللٍ ما أو إصابة في الجسم، بهدف حمايته من تفاقم الضرر أو المرض، وفي النهاية من خطر الموت.

وظفية الدماغ الرئيسية في حالات الخطر هي التنبيه إلى وجود الألم، ودفع الإنسان إلى تجنّبه أو طلب العلاج حفاظاً على الحياة.

والألم هو السبب الرئيسي الذي يدفع كثيراً من الأشخاص إلى طلب الرعاية الطبية. لكنه في الوقت نفسه إحساس شخصي وغير موضوعي، تختلف شدّته من شخص إلى آخر تبعاً لعوامل عدّة، ما يشكّل أحياناً تحدّياً لكلٍّ من المريض والطبيب المعالج.

وقد يتساءل البعض عن سبب معاناتهم ألماً شديداً بعد إصابة بسيطة، فيما لا يشعر آخرون بالقدر نفسه من الألم في الحالة ذاتها.

فلماذا لا يكون مستوى الألم موحّداً لدى الجميع؟

تتنوع الأسباب والألم واحد

يقول الطبيب محمد الدسوقي، رئيس قسم الأمراض العصبية في الجامعة اللبنانية الأميركية، في اتصال مع بي بي سي عربي، إنه "حتى اليوم لا توجد طريقة علمية لقياس مستوى الألم لدى المريض، ما يجعله إحساساً ذاتياً وخاصاً".

ويشير إلى أن عدم تمكن الأطباء من تفسير استمرار الألم لدى بعض المرضى، رغم تشخيص حالتهم بدقة وتلقيهم العلاج المناسب، دفع بعض الدول المتقدمة علمياً إلى إنشاء مراكز متخصصة بالألم والتعامل معه بوصفه علماً واختصاصاً قائماً بذاته.

ويؤكد الدسوقي أن عوامل متعددة ومتشابكة قد تجعل مريضاً يشعر بالألم من الحالة نفسها أكثر من غيره، موضحاً: "قد نقارن بين شخصين يعانيان المرض نفسه وتظهر لديهما النتائج نفسها في فحوص الدم، لكن أحدهما يشعر بالألم أكثر من الآخر".

ويتابع: "يعود ذلك إلى مجموعة من الاختلافات بين الشخصين، أولها العوامل الجينية التي نرثها من آبائنا"، إذ أثبتت الدراسات أن بعض الاختلافات الجينية المرتبطة بالناقلات العصبية قد تؤثر في مستوى الإحساس بالألم، وكذلك في القدرة على تحمله.

ويشير الدسوقي إلى سبب بيولوجي آخر يتمثل في الهرمونات، التي تؤثر أيضاً في مستويات الإحساس بالألم، ولا سيما لدى النساء. فقد أظهرت دراسات عدة أن الهرمونات الجنسية، بما في ذلك التستوستيرون والإستروجين، تؤثر في درجة الشعور بالألم. وتبين بعض الدراسات أن هرمون التستوستيرون، المعروف بهرمون الذكورة، قد يخفف من شدة الألم.

في المقابل، تشير الأبحاث إلى أن النساء غالباً ما يتمتعن بحساسية أعلى تجاه الألم مقارنة بالرجال، كما تؤثر التقلبات الهرمونية، ولا سيما تغير مستويات هرمون الإستروجين، في مسارات الألم ومستوياته لديهن. وهنا ينبغي التمييز بين القدرة على الإحساس بالألم والقدرة على تحمله، فهما أمران منفصلان.

ويضيف الدسوقي أن من بين العوامل الأخرى التي وجدت الدراسات أنها تؤثر في مستوى الإحساس بالألم العمر، إضافة إلى الاختلافات العرقية والإثنية، وهي عوامل لا يمكن التحكم بها أو تغييرها.

وقد اهتم الباحثون بدراسة هذه الفوارق، وأظهرت دراسات عدة أن المرضى السود واللاتينيين والآسيويين أبلغوا عن مستويات ألم أشد مقارنة بالمرضى البيض.

مصدر الصورة

الألم المزمن

يشير الدسوقي، في حديثه مع بي بي سي عربي، إلى أن الأشخاص الذين يعانون أمراضاً مزمنة تسبب لهم ألماً مزمناً يصبحون أكثر حساسية للألم من غيرهم.

ويقول: "من هذه الأمراض صداع الشقيقة (Migraine)، الذي قد يظهر أيضاً على شكل صداع نصفي، ومتلازمة الألم العضلي الليفي (الفايبروميالجيا)، واضطراب القولون العصبي، ومتلازمة التعب المزمن المعروفة أيضاً باسم التهاب الدماغ والنخاع العضلي".

وتشير إحدى التفسيرات العلمية إلى أن ذلك قد يعود إلى ما يعرف بفرط الحساسية المركزية، حيث يكون الجهاز العصبي في حالة تأهب مفرط تجاه أي مؤثرات قد تكون ضارة، ما يؤدي إلى الإحساس بألم شديد. ولم يتضح بعد ما إذا كان هؤلاء الأشخاص يعانون انخفاض عتبة الألم قبل إصابتهم بالألم المزمن، أم أن هذه العتبة تنخفض لاحقاً.

ويولي الدسوقي أيضاً أهمية كبيرة للألم النفسي، مؤكداً أنه قد يتسبب في آلام جسدية متعددة. ويقول: "لا ينبغي النظر إلى الألم من منظور جسدي بحت، إذ إن كثيراً من الآلام تُصنف علمياً اليوم ضمن الآلام النفسية الجسدية، أي الآلام التي يكون سببها الرئيسي نفسياً".

ويضيف أنه ينبغي دائماً التنبه إلى ما إذا كان المريض يعاني قلقاً عاماً، أو اكتئاباً، أو مر بتجارب صادمة وأصيب باضطراب ما بعد الصدمة.

مصدر الصورة

ويشرح الطبيب أنّ الباحثين قد يكتشفون مستقبلاً أسباباً بيولوجية لبعض الأمراض النفسية الجسدية (السيكوسوماتية)، لكنه يؤكّد أنّه "حتى الآن لا توجد أسباب جسدية أو جينية واضحة لكثير من الأعراض الجسدية التي نراها".

وعن ملاحظاته في عمله اليومي، يقول: "للأسف، نشهد خلال السنوات القليلة الماضية ازدياداً في أعراض الألم النفسي الجسدي لدى المرضى في بلادنا، نتيجة ما يواجهه الناس من ضغوط نفسية وما يعيشونه من اضطرابات أمنية".

ويذكر من بين هذه الحالات متلازمة الألم العضلي الليفي (الفايبروميالجيا)، واضطراب القولون العصبي، وألم المفصل الفكي الصدغي.

ويشير الدسوقي إلى أنهم كأطباء قد يواجهون أحياناً حالات مستعصية، حيث يستمر الألم لدى المريض حتى بعد التشخيص وتلقّي العلاج. ويقول: "في مثل هذه الحالات، ينبغي التعامل معها بطريقة مختلفة، من خلال مقاربة متكاملة تجمع بين اختصاصي الألم المزمن، وطبيب الأعصاب، والطبيب النفسي، وطبيب الروماتيزم، لمعالجة المشكلة من جوانبها المختلفة".

وسألنا الدسوقي أيضاً عمّا إذا كانت التجارب المؤلمة السابقة قد تؤثّر في مستوى الإحساس بالألم في تجارب لاحقة، فأوضح أنّ الدماغ غالباً ما يعمل على محو أثر الألم السابق، إلا أنّ هذه الآلية قد لا تنجح دائماً.

ويشرح قائلاً: "في هذه الحالات يمكن اللجوء إلى العلاج النفسي، أو التأمّل، أو العلاج السلوكي المعرفي، أو العلاج التحليلي الوظيفي، بهدف إعادة تنظيم عمل المناطق الدماغية المسؤولة عن تثبيط الألم".

وتجدر الإشارة إلى أنّ مفهوم الألم وطريقة التعبير عنه قد يتأثران أيضاً بالمعتقدات الثقافية والعادات الاجتماعية، إذ تشجّع بعض المجتمعات على الصبر والتحمّل وعدم التعبير عن الألم.

ما أبسط طريقة لتخفيف الألم؟

تشتيت الانتباه عن الألم من أبسط الوسائل التي تساعد على تخفيفه. كذلك تعدّ الموسيقى من أبرز الطرق غير الدوائية للتخفيف من الألم، إلى جانب التمارين الرياضية والعلاج السلوكي المعرفي.

وتكمن فاعلية هذه الوسائل في تحويل التركيز بعيداً عن الإحساس غير المريح وتحسين المزاج خلال وقت قصير. كما أنّ الاستماع إلى الموسيقى ينشّط مراكز المكافأة في الدماغ، وهي مراكز تتداخل مع الآليات المسؤولة عن تسكين الألم.

ويعتقد الباحثون أنّ الموسيقى المبهجة قد تحسّن المزاج وتزيد القدرة على تحمّل الألم، في حين تساعد الموسيقى الهادئة على تقليل القلق وتسريع الإحساس بمرور الوقت، وهو ما قد يخفّف بدوره من الشعور بالألم.

لذلك، في المرة المقبلة التي تشعرون فيها بالألم، قد يساعد الاستماع إلى أغنية تحبّونها على التخفيف منه.

بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار