في الثاني عشر من أغسطس/آب المقبل، يترقّب كثيرون حول العالم من الشغوفين برصْد الأجرام السماوية حدوث ظاهرة فلكية وكونية مهيبة- هي الكُسوف الكلي للشمس.
ويحدث كسوف الشمس عندما يقف القمر بينها وبين الأرض فيحجب نور الأولى عن الثانية؛ ليسود الظلام بينما لا يزال الوقت نهاراً- فيما يُعرف باسم "الغسَق الكاذب".
ويقف القمر بين الشمس والأرض مرّة في كل شهر، عندما يكون في طَورالمحاق؛ لكنّ الأمر يتطلب توليفة من العوامل لكي يحدث الكسوف الكُليّ للشمس.
وبحسب العلماء، فإن كسوفاً كُلياً للشمس ينعكس على منطقة ما فوق الأرض كل 18 شهراً.
وعلى حسب الموقع الجغرافي من الأرض، يكون مستوى الكسوف الشمسي؛ الذي يكون كُلياً في حال استقامة الاصطفاف تماماً- كما سيحدث في الـ 12 من أغسطس/المقبل في مدن إسبانية مثل: ليون، وبرغش، وبلد الوليد.
وتشير التوقعات الفلكية إلى أن توقيت حدوث هذا الكسوف الكُلي سيكون قُبيل الغروب، عندما تكون الشمس على ارتفاع نحو 10 درجات فقط فوق خَطّ الأفق.
ولكنْ حتى في حال الكسوف الكُلي للشمس، يمكن للإنسان رؤية هالة نورها راسمةً ما يشبه الإكليل.
وفي معظم الدول العربية لن يتسنّ رصْد هذا الكسوف الكلي للشمس، التي ستحتجب بشكل جزئي في مواقع جغرافية عديدة حول العالم.
وفي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، سيغطّي القمر نحو 90 في المئة من وجه الشمس يوم 12 أغسطس/آب المقبل.
على أنّ الكسوف الكُلي التالي للشمس في المملكة المتحدة لن يحدث قبل مرور 64 عاماً، وتحديداً في 23 سبتمبر/أيلول 2090- وفقاً للمرصد الملكي في غرينيتش.
في ظلّ الكسوف الكلي للشمس فوق منطقة ما من الأرض، تكون السماء صافية وتتبدد السُحب في غضون لحظات.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك؛ بل يمتد إلى انخفاض في درجات الحرارة واختفاء لأصوات الطيور، ليلْتفّ الكون في رداءٍ من السكون المهيب.
لكنّ هذا الرداء سرعان ما تتخلى عنه الطبيعة عن نفسها بمجرد انتهاء زمن الكسوف.
وفي أثناء كسوف الشمس الكُلي الذي شهدته أوروبا في أغسطس/آب عام 1999، انخفضتْ درجات الحرارة في جنوبي بولندا بنحو 11 درجة مئوية.
ويمتاز الكسوف الكُلّي للشمس في أغسطس/آب المقبل بأنه الأول من نوعه الذي يمكن رصْده من على اليابسة الأوروبية منذ عام 1999.
أما في أمريكا الشمالية، فإن الكسوف الكلي الأخير للشمس تمّ رصْده في الثامن من أبريل/نيسان 2024، مُغطّياً ما بين المكسيك وحتى أقصى شرقي كندا.
وستبدأ رحلة الكسوف الكلي للشمس على الأرض في الـ 12 من أغسطس/آب المقبل، من شمالي سيبيريا، مروراً بشرقي غرينلاند، فالساحل الغربي لأيسلندا، قبل أنْ يعبُر شمالي إسبانيا، وصولاً إلى البحر المتوسط- بحسب الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي بالولايات المتحدة الأمريكية.
ومن المتوقع أن يمتد زمن الكسوف الكلي للشمس فوق إسبانيا لما يقرب من دقيقتين؛ أما فوق أيسلندا وغرينلاند، فمن المتوقع أن يزيد زمن الكسوف الكلي إلى أكثر من دقيقتين.
وبحسب باحثين، فإن إحساسنا بالكسوف الشمسي يبدأ بعد أكثر من ثماني دقائق من حدوثه حقيقةً؛ ذلك لأن ضوء الشمس يستغرق لكي يصل إلينا على الأرض مدة ثماني دقائق و20 ثانية، قاطعاً مسافة تناهز 150 مليون كيلو متر، بسرعة 300 ألف كيلو متر في الثانية.
يتوقع علماء الفلك أن يحدث الكسوف الكلي التالي للشمس في الثاني من أغسطس/آب 2027.
ويشير العلماء إلى أن زمن هذا الكسوف سيطول إلى ست دقائق و22 ثانية- وهو زمن طويلٌ جداً و"استثنائيّ" على مقياس اختفاء الشمس أثناء النهار- ومن ثمّ يوصف بأنه "كسوف القرن".
ولم يحدث أنْ رُصد كسوفٌ للشمس من على اليابسة بهذا الطول الزمني منذ عام 1991.
ومن المتوقع أن يغطّي هذا الكسوف الشمسي مساراً يصل عرضُه إلى حوالي 160 ميلاً، ليشمل أجزاء من شمال أفريقيا والشرق الأوسط مثل: المغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، ومصر، والسعودية، واليمن والصومال.
وفي الأُقصر جنوبي مصر، سيمكن رصد أطول كسوف شمسي كُليّ في القرن الحادي والعشرين في هذا التاريخ (الثاني من أغسطس/آب 2027).
ويقول العلماء إن الكسوف الكلي للشمس لن يتكرّر بهذا الطول قبل مجيء عام 2114.
تقول النصيحة القديمة بعدم النظر مباشرة إلى الشمس وهي في حال الكسوف، تماماً كما هي الحال إزاء الشمس وهي ساطعة.
فيما يوصي خبراء بالاستعانة بنظارات مخصّصة لمشاهدة كسوف الشمس، وهي تحتوي على مرشّح يحجب الأشعة فوق البنفسجية الضارة.
وتختلف هذه النظارات عن النظارات الشمسية؛ كون الأخيرة تحجب كل الأضواء المحيطة بشكل عام، ما عدا تلك القادمة من الشمس.
وفي حال تعذَّر عليك الحصول على نظارات كسوف الشمس، فيمكنك الاستعانة بشيء بديل غاية في البساطة:
اثقُبْ ورقة ثم قِفْ مُعطياً ظهرك للشمس، وضَعْ الورقة المثقوبة فوق كتفك بحيث ينفُذ شعاع الشمس من خلال الثقب. وفي الوقت ذاته ضَعْ ورقة أخرى أمامك بحيث ينعكس عليها ذلك الشعاع فيمكنك بذلك رؤيته كما لو كان على شاشة عازلة.
وفي حال الرغبة في تصوير كسوف الشمس بكاميرا الهاتف المحمول، فإن الخبراء يوصون بوضْع مرشح شمسي على كاميرا الهاتف؛ وكذا الحال مع استخدام كاميرا تقليدية؛ حيث يحذر خبراء الجمعية الفلكية الأمريكية من النظر إلى الشمس مباشرة عبر عدسة الكاميرا ما لم تكن مزوّدة بمرشّح.
وبينما يحذر الأطباء من مغبة النظر مباشرة إلى الشمس في لحظات الكسوف الكلي، فإن باحثين نفسيين يرون أن تلك اللحظات ذاتها يمكن أن تكون "باعثاً على تغيير نظرة الإنسان إلى العالم".
وتصف جنيفر ستيلر، الأخصائية النفسية بجامعة تورونتو، الشعور البشري إزاء تلك اللحظات كما لو كان "إزاء شيء أو شخص استثنائي أو غير اعتيادي- يتجاوز حدود القدرة على الاستيعاب".
ولا يحتاج الإنسان أنْ يكون مهووساً بعلوم الفلك ورصد الأجرام السماوية لكي يشعر بروعة الكسوف الكلي للشمس؛ الذي يعطّل الزمن للحظات في مشهد مهيب كأنّما ليُذكّر الإنسان بأنه ليس صاحب الكلمة العليا!
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة