آخر الأخبار

كيف أثرت الحرب الحالية على قطاع السيارات الكهربائية؟

شارك

لم تعد صناعة السيارات الكهربائية مجرد سباق بين الشركات نحو الطاقة الخضراء أو الاستدامة، بل تحولت إلى ساحة معركة جيوسياسية واقتصادية وتكنولوجية معقدة، حيث لم تتسبب الحروب والنزاعات بين الدول والاضطرابات التي شهدتها الممرات المائية الحيوية فقط في تعطيل سلاسل الإمداد لشركات السيارات، بل أجبرت عمالقة الصناعة على اتخاذ قرار جذري، وهو التخلي عن نموذج الاستيراد العالمي مقابل التصنيع الذاتي.

فتاريخيا، كانت الصين تسيطر على أكثر من 75% من إنتاج بطاريات الليثيوم أيون عالميا، ومع تزايد التوترات العسكرية التي هددت طرق الشحن في المحيطين الهادئ والهندي، وتأثر قناة السويس بالنزاعات الإقليمية، وجدت الشركات الغربية نفسها في مأزق "الرهينة التكنولوجية".

مصدر الصورة الشركات العالمية استثمرت المليارات في بناء مصانع عملاقة محلية لإنتاج خلايا البطاريات بدلا من استيرادها (شترستوك)

ووفقا لتقرير صادر عن شركة "بي إن إي إف" (BNEF) البريطانية في الربع الأول من هذا العام، ارتفعت تكلفة شحن مكونات البطاريات بنسبة 140% نتيجة تغيير مسارات السفن بعيدا عن مناطق النزاع.

وهذا الواقع دفع شركات مثل " فولكس فاغن" و"جنرال موتورز" إلى تسريع إستراتيجية "التكامل العمودي". فلم يعد الهدف شراء البطاريات، بل تصنيعها، ولذلك استثمرت الشركات في بناء ما يعرف بـ"المصانع العملاقة" داخل حدودها القارية.

وبحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية (IEA)، فإن نسبة الخلايا المصنعة داخليا من قبل شركات السيارات نفسها ارتفعت من 15% في عام 2023 إلى ما يقارب 45% بحلول هذا العام.

مصدر الصورة الشركات تخلصت من "تبعية الرقائق" عبر الانتقال إلى التصميم الداخلي لأشباه الموصلات والدوائر المتكاملة (شترستوك)

معركة الرقائق وأشباه الموصلات

أثبتت الأزمات العسكرية أن صناعة الرقائق الإلكترونية هي من أهم المجالات التي تأثرت بسببها، وذلك لكونها تتدخل في كثير من الصناعات، ومن أكبرها صناعة السيارات الكهربائية، إذ إن الحرب الحالية أدت إلى نقص حاد في الغازات النادرة مثل النيون والفلزات المطلوبة لصناعة الرقائق، والتي كان مصدر الكثير منها مناطق نزاع مشتعلة.

إعلان

وردا على ذلك، توقفت شركات مثل "تيسلا" و"بي واي دي" و"نيو" عن انتظار الموردين التقليديين، فبدلا من شراء رقائق جاهزة، انتقلت هذه الشركات إلى التصميم الداخلي للشرائح.

والميزة الإستراتيجية في ذلك، كانت أن التصنيع الذاتي للرقائق يتيح للشركة تعديل "هندسة السيارة" برمجيا لتتوافق مع المكونات المتاحة محليا، وهو ما يمنحها مرونة هائلة إذا انقطع نوع معين من الموصلات المستوردة.

كما تشير تقارير "إستراتيجي كومبيوتنغ" إلى أن الشركات التي تملك تصميم رقائقها الخاصة استطاعت الحفاظ على معدلات إنتاج أعلى بنسبة 30% مقارنة بالمنافسين الذين يعتمدون على الاستيراد الكلي.

البرمجيات.. السيادة الرقمية كدرع دفاعي

وفي ظل الحرب الحالية، أصبح "الكود البرمجي" أهم من المعدن، والاتجاه السائد الآن هو السيارات المعرفة برمجيا (Software-Defined Vehicles)، فالشركات التي كانت تستورد أنظمة التشغيل والبرمجيات من شركات تقنية خارجية، بدأت الآن في بناء مراكز بيانات ضخمة وتطوير أنظمتها الخاصة.

فالاعتماد على برمجيات سحابية مستضافة في دول أخرى يشكل خطرا أمنيا في أوقات النزاع، ووفقا لتقرير من شركة "ماكينزي" الأمريكية حول أمن السيارات، فإن الاستثمار في "السيادة البرمجية" أصبح أولوية قصوى لتجنب الهجمات السيبرانية العابرة للحدود التي قد تستهدف أساطيل السيارات الكهربائية خلال الأزمات الدولية.

مصدر الصورة الشركات قللت من تعقيد الأنظمة الإلكترونية لتقليل عدد الموردين الخارجيين والاعتماد على وحدات تحكم مركزية ذكية (شترستوك)

إعادة تدوير المواد الخام

ومع صعوبة استيراد المواد الخام مثل الليثيوم، والكوبالت، والمنغنيز من المناطق المتأثرة بالحروب، ظهر مفهوم "التعدين الحضري"، حيث بدأت شركات السيارات في بناء منشآت ضخمة ملحقة بمصانعها لإعادة تدوير البطاريات القديمة واستخراج المواد الخام منها وإعادة استخدامها فوريا في خطوط الإنتاج الجديدة.

وبحسب دراسة من " جامعة ستانفورد" الأمريكية، فإن تقنيات التدوير الحديثة تسمح باستعادة ما يصل إلى 98% من المعادن الثمينة داخل البطارية، وهذا التحول يعني أن الشركة لم تعد بحاجة إلى استيراد المادة الخام من الخارج، بل تعتمد على الدورة المغلقة لمنتجاتها السابقة.

التوقعات المستقبلية

يقول الخبراء، إن "التصنيع الذاتي" ليس مجرد رد فعل مؤقت على الحرب، بل هو إعادة هيكلة لمفهوم الرأسمالية الصناعية، فالتكلفة الأولية لهذا التحول باهظة جدا، وتتطلب مليارات الدولارات من الاستثمارات الرأسمالية، ولكنها تخلق شركات "محصنة" ضد الصدمات.

ووفقا لمحللي شركة "غولدمان ساكس" الأمريكية فإن النتائج المترتبة على هذا التحول تشمل استقرار الأسعار كبداية، لأنه وعلى المدى الطويل، ستصبح أسعار السيارات الكهربائية أقل عرضة لتقلبات الشحن العالمي.

كما سيكون هناك تداخل بين قطاع السيارات وقطاع التعدين وقطاع البرمجيات بشكل لا يمكن فصله، إضافة إلى التنافس الإقليمي، ونشوء أقطاب صناعية كبرى مثل القطب الأوروبي، والقطب الصيني، والقطب الأمريكي، تتنافس في الكفاءة الذاتية بدلا من التكامل العالمي.

ولذلك وبحسب المراقبين، يبدو أن الحرب الحالية قد وضعت مسمارا أخيرا في نعش العولمة الصناعية المطلقة لقطاع السيارات، فالشركات التي ستنجو وتزدهر خلال الأعوام القادمة، ستكون هي التي لا تملك فقط أفضل المصانع، بل تملك المادة العلمية والسيادة التكنولوجية من المنجم إلى البرمجيات.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار