اختارت وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) مشروعا علميا جديدا للتحقق من احتمال وجود أنبوب حمم بركانية ضخم تحت سطح القمر، يمتد انطلاقا من حفرة "ماريوس هيلز"، وهي فتحة طبيعية أثارت اهتمام العلماء منذ سنوات.

وإذا تأكد وجود التجويف، فلن يكون الاكتشاف مهما لفهم التاريخ البركاني للقمر فحسب، بل قد يكشف أيضا عن مواقع طبيعية توفر لرواد المستقبل حماية من الإشعاع ودرجات الحرارة القاسية على السطح.

مصدر الصورة مهمة "غيملي" التابعة لناسا ستستكشف أسفل حفرة ماريوس هيلز للتحقق من وجود أنبوب حمم بركانية ضخم مخفي تحت سطح القمر (ناسا)

وقد التقطت مركبة الاستطلاع القمرية التابعة لناسا صورا للحفرة منذ سنوات، وكشفت إحدى الصور المائلة وجود جزء ممتد تحت حافتها، لكن حجم الفراغ وما إذا كان متصلا بنفق طويل لا يزالان مجهولين.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 15 عالما وخبيرا عربيا يجتمعون في ليلة للفضاء والفلك
* list 2 of 2 من ألواح بالومار إلى 800 ساعة تصوير.. سماء شاربليس تكتمل end of list

المشروع يحمل اسم "الأجهزة الجيوفيزيائية لاستكشاف حفرة ماريوس القمرية" -المعروف اختصارا باسم "غيملي" (GIMLI)‏- ويقوده المدير المساعد وكبير العلماء في معهد علوم الكواكب ثان بوتزيغ. واختارته ناسا ضمن برنامج الأبحاث والحمولات على سطح القمر "بريزم" (PRISM)‏، على أن تنقل الأجهزة إلى القمر عبر مبادرة خدمات الحمولات القمرية التجارية.

ويشارك في المشروع معهد علوم الكواكب وشركة هانيبي روبوتكس ووكالة الفضاء النرويجية.

3 أساليب للنظر تحت سطح القمر

لن يحتاج العلماء إلى النزول داخل الحفرة لمعرفة ما يختبئ تحتها، إذ سيجمع المشروع بين رادار مخترق للأرض وأجهزة لقياس الاهتزازات الزلزالية والجاذبية، إضافة إلى كاميرات تصور السطح وجدران الحفرة.

وتكمن قوة الفكرة في أن كل أداة تبحث عن التجويف بطريقة مختلفة، وعند جمع القياسات يمكن تكوين تصور أفضل لبنية ما تحت السطح وتقدير حجم أي فراغ محتمل.

ويعيد المشروع إلى القمر تقنية استخدمت في عصر مهمات أبولو. ويقول قائد المشروع ثان بوتزيغ إن إعادة استخدام الطرق الزلزالية ذات المصدر النشط في علوم الكواكب كانت رغبة لديه منذ فترة طويلة، إذ لم تستخدم بصورة مماثلة تقريبا منذ المسوحات الزلزالية التي أجراها رواد أبولو.

مصدر الصورة حفرة "ماريوس هيلز" القمرية في 3 إضاءات مختلفة، ويبلغ عمقها نحو 34 مترا وأبعادها 65×90 مترا (ناسا/مركز غودارد/جامعة ولاية أريزونا)

ويرى أن الجمع بين الزلازل الاصطناعية والرادار وقياسات الجاذبية سيمنح العلماء فهما أفضل كثيرا لخصائص باطن المنطقة.

إعلان

وتقع الحفرة في منطقة "ماريوس هيلز" البركانية، ويبلغ قطرها نحو 65 مترا. وأظهرت صور سابقة لمركبة الاستطلاع القمرية وجود جزء معلق من سقفها وفراغ يمتد تحته، كما تكشف جدرانها طبقات من الصخور البركانية القديمة. وهذا ما عزز منذ سنوات احتمال أن تكون الحفرة بمنزلة "نافذة" انفتح سقفها على أنبوب حمم أقدم تحت السطح.

كهف طبيعي لرواد القمر؟

تتشكل أنابيب الحمم عندما يبرد سطحُ تدفُق الحمم ويتصلب، في حين تستمر الصخور المنصهرة في الحركة أسفله، وقد يبقى بعد توقف الثوران ممر طويل وفارغ. وإذا حدثت عملية مشابهة على القمر، فمن المحتمل أن تكون بعض هذه الأنفاق قد بقيت محفوظة لمليارات السنين.

وتكمن أهميتها العلمية في أن داخلها محمي بدرجة أكبر من البيئة القاسية التي تتعرض لها تضاريس القمر المكشوفة. لذلك يمكن أن تحتفظ صخورها بسجل أفضل للنشاط البركاني القديم، وتساعد دراسة حجم الأنفاق وطبقات الصخور المحيطة بها العلماء على فهم كيفية تدفق الحمم وتطور النشاط البركاني مع برودة باطن القمر.

مصدر الصورة صورة تخيلية لرواد فضاء يدخلون أحد كهوف القمر (الجزيرة/ مولدة بالذكاء الاصطناعي)

لكنّ للمسألة بعدا آخر يتعلق بالاستكشاف البشري، فوفقا لناسا، يمكن للفراغات الطبيعية تحت الأرض، إن كانت كبيرة بما يكفي، أن توفر لرواد المستقبل حماية طبيعية من الإشعاع الضار والتغيرات الحرارية الشديدة، وهما من أبرز تحديات الإقامة الطويلة على سطح القمر.

وتقول مديرة معهد علوم الكواكب أماندا هندريكس إن فريق المشروع ينقل سؤالا ظل العلماء يدرسونه من المدار إلى اختبار مباشر على سطح القمر.

أما كبير العلماء في المعهد ونائب الباحث الرئيسي للمشروع غاريث مورغان فيرى أن إثبات وجود أنبوب حمم كبير سيقدم معلومات مهمة عن كيفية عمل البراكين القمرية، وسيتيح مقارنة هذه الأنفاق بنظيراتها البركانية المعروفة على الأرض.

اللافت أن المشروع سيظل مفيدا حتى إذا لم يعثر على الكهف المنشود؛ فقياسات باطن المنطقة وجدران الحفرة ستساعد في تفسير كيفية تشكلها وبنية الصخور البركانية تحتها. وهكذا فإن السؤال الذي ستذهب إليه أجهزة "غيملي" بسيط في ظاهره: هل تنتهي حفرة ماريوس بعد عشرات الأمتار، أم أنها مجرد باب صغير إلى ممر قمري هائل لم تره أعين البشر بعد؟