مراكز البيانات: الطريق الشاق الذي تسلكه أوروبا نحو السيادة الرقمية
لا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة لمراكز البيانات عن محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم أو طاقة الرياح: فمعظم الناس يرغبون في الاستفادة من خدماتها لكن قلة قليلة منهم ترغب في وجودها مباشرة أمام أبواب منازلهم. ولذلك فإلى جانب النقاش العالمي الدائر حاليا حول مخاطر الذكاء الاصطناعي غالبا ما ينشأ نقاش محلي أيضا عندما يُقرر إنشاء البنية التحتية المادية اللازمة لذلك في مكان ما.
وتتزايد المخاوف بشكل خاص في أوروبا. حيث يجري حاليا إنشاء العديد من مراكز البيانات في القارة لأن العديد من الحكومات والشركات تفضل تخزين بياناتها في أوروبا بدلا من الولايات المتحدة، الرائدة عالميا في مجال الحوسبة. لكن السيادة الرقمية لها ثمنها وهو استهلاك المزيد من الموارد الأوروبية.
يمكن توضيح كمية المياه التي تستهلكها مراكز البيانات من خلال مركز بيانات CoreSite هذا الواقع بالقرب من دنفر، كولورادو: ففي ظل التشغيل بكامل طاقته تتبخر في هذه المولدات ما يزيد عن ثلاثة ملايين لتر من المياه يوميا.صورة من: Jim West/imageBROKER/IMAGOوقد تجلت حدة الجدل حول هذا الموضوع قبل بضعة أيام في لندن عندما قدمت شركة "كانفا" الأسترالية المتخصصة في خدمات التصميم أداة جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي. وانتشر مقطع فيديو من العرض التقديمي بشكل واسع لا يُظهر المنتجات الجديدة للذكاء الاصطناعي، بل ناشطة تصرخ باتجاه المنصة قائلةً: "تقولون إن منتجاتكم مخصصة للناس، لكن الناس يخافون منها. إنهم يشعرون بالخوف عندما يواجه ثلثا البلاد خطر الجفاف بسبب 500 مركز بيانات متصلة". ويُفترض أن هذا الاتهام يشير إلى تحليل نشرته صحيفة "الغارديان" والذي يفيد بأن معظم مراكز معالجة بيانات الذكاء الاصطناعي المخطط إنشاؤها في الولايات المتحدة ستُبنى في مناطق معرضة لخطر الجفاف الشديد على الرغم من استهلاكها الكبير للمياه. وتقول الناشطة جملا أخرى في الفيديو قبل أن تقوم إحدى المراقبات بمرافقتها إلى خارج القاعة.
مخاوف كبيرة من نقص الكهرباء والمياه
وحسب تحليل أجرته DW يلقى هذا الموضوع اهتماما متزايدا على وسائل التواصل الاجتماعي منذ بضعة أشهر: في يوليو حظيت مقاطع الفيديو المتعلقة بمراكز البيانات في جميع أنحاء العالم بأكثر من 70 مليون مشاهدة. وجاءت مؤخرا حوالي 40 في المائة من النقرات العالمية من أوروبا حيث يعيش مع ذلك حوالي 9 في المائة فقط من سكان العالم.
خلال الصيف الأوروبي الحار والجاف أصبح استهلاك الموارد موضوعا رئيسيًّا في النقاش. في ألمانيا وفقًا لسجل وزارة الاقتصاد تستهلك كل كيلوواط/ساعة من الكهرباء ما بين 0,4 و4,4 لتر من الماء في المتوسط حيث يتبخر هذا الماء أو يُعاد إلى المسطحات المائية بعد تسخينه لغرض تبريد المنشآت. كان الصيف الذي انتهى للتو في أوروبا هو الأكثر حرارة على الإطلاق واضطر السكان المحليون والقطاع الزراعي وحتى محطات الطاقة النووية إلى تقييد استهلاك المياه في بعض المناطق.
كما يشعر الكثير من الناس في أوروبا بالقلق إزاء الاستهلاك المرتفع للكهرباء في مراكز البيانات. وقد نشرت شركة "فينغريد" (Finngrid) الفنلندية المشغلة لشبكة الكهرباء مؤخرا توقعات تفيد بأن استهلاك الكهرباء في هذا البلد الاسكندنافي قد يرتفع بنسبة تقارب 40 في المائة بحلول عام 2025 في حال تم تنفيذ جميع التوصيلات الجديدة المسموح بها حاليا لمراكز البيانات.
ونظرا لأن قوة الحوسبة نفسها يصعب مقارنتها في كثير من الأحيان يُشار إلى حجم مراكز البيانات غالبا بالقدرة الكهربائية القصوى بالكيلوواط أو الميغاواط. ويعتمد مقدار الكهرباء المستهلك فعليًّا على معدل تشغيل الوحدات.
أعلنت المفوضية الأوروبية هذا الأسبوع عن الكيفية التي سيتم بها الإفصاح عن استهلاك المياه والطاقة في المستقبل: فمن المقرر أن تحصل مراكز البيانات التي تزيد طاقتها عن 500 كيلوواط في المستقبل على شهادة تراعي أيضا تدابير كفاءة الطاقة مثل دوائر التبريد المغلقة أو إعادة استخدام الحرارة المهدرة. وقالت تيريزا ريبيرا، نائبة رئيس المفوضية الأوروبية: "إذا قمنا بمضاعفة قدراتنا الحاسوبية ثلاث مرات فلا ينبغي أن يعني ذلك مضاعفة الضغط على شبكات الكهرباء وإمدادات المياه وفواتير الطاقة لدينا ثلاث مرات أيضا".
احتجاجات في النمسا وأيرلندا واستقالات في فرنسا
في الماضي كانت مراكز البيانات الأكثر كفاءة في أوروبا تنشأ بشكل أساسي بالقرب من العقد الرئيسية الكبيرة حيث تتلاقى الوصلات الرئيسية للبنية التحتية المادية للإنترنت. وتقع هذه العقد من بين أماكن أخرى بالقرب من فرانكفورت ولندن وأمستردام وباريس ودبلن ولهذا السبب فإن الاختصار FLAP-D شائع الاستخدام في هذا القطاع.
إلا أن تحليلا أجرته مجموعة شركات الاستثمار CBRE يشير إلى أن هذه الصورة آخذة في التغير: ففي الربع الثاني من عام 2026 استحوذت المواقع الواقعة خارج منطقة FLAP-D على 55 في المائة من السعات الجديدة المتفق عليها لمراكز البيانات مثل مدينة غرونينغن الهولندية أو العاصمة البلجيكية بروكسل أو مدينة برشلونة الإسبانية .
لكن حتى بعيدا عن المراكز الحضرية الكبرى تتزايد أعداد مراكز البيانات وتندلع احتجاجات بانتظام سواء عبر الإنترنت أو على أرض الواقع. وقد دفعت خطط غوغل المتقدمة جدًّا لإنشاء مركز بيانات في بلدة "كرونستورف" النمساوية الصغيرة عدة مئات من المتظاهرين إلى النزول إلى الشوارع. وفي أيرلندا واصلت الكاتبة الأكثر مبيعا، سالي روني حشد الرأي العام ضد مركز بيانات مزمع إنشاؤه في قرية "كيلالا" حتى سحبت السلطات الوطنية ترخيصها استنادا إلى الأهداف المناخية الأيرلندية.
إلا أن الاستعدادات لمشروع ضخم لشركة غوغل بقدرة تتراوح بين 800 ميغاوات و 1.1 غيغاوات لا تزال مستمرة في قرية إتريشيت الواقعة في وسط فرنسا وهو ما يعادل تقريبا إنتاج الكهرباء لمحطة طاقة نووية عند التشغيل بكامل طاقتها. ولهذا السبب استقالت في غضون أيام قليلة رئيسة البلدية التي انتُخبت لتوها وثلاثة نواب وعضوة واحدة في المجلس البلدي. وأعربت رئيسة البلدية فلورنس لوران عن أسفها لعدم قدرتها على مواجهة هذه الخطط في بلديتها نفسها.
كيف يمكن لمراكز البيانات الأوروبية أن تصبح أكثر ترشيدا في استخدام الموارد
لكن هناك أيضا مراكز بيانات في أوروبا يمكن أن تكون نموذجا يحتذى به للآخرين، لأنها تحافظ على الموارد. فعلى سبيل المثال يجري حاليا إنشاء مركز بيانات ضخم للذكاء الاصطناعي في عقدة إنترنيت مركزية بمدينة مرسيليا يستخدم دورة مائية مغلقة للتبريد ومن المقرر أن يقلل ذلك من احتياجات الطاقة اللازمة للتبريد بنسبة 30 في المائة.
وتذهب مشاريع أخرى إلى أبعد من ذلك: ففي الدول الاسكندنافية على وجه الخصوص وكذلك في دبلن وفرانكفورت وبرلين يتم تغذية شبكات التدفئة المحلية أو شبكات التدفئة عن بُعد بالحرارة المهدرة الصادرة عن الخوادم. وهكذا تقوم مراكز البيانات بتدفئة مئات الشقق ولا يقتصر الأمر على تحسين كفاءتها في استخدام الطاقة فحسب. نشرت شركة الكهرباء الألمانية إيون (Eon) في الربيع الماضي نتائج استطلاع أظهرت أن ما يقرب من ثلاثة أرباع الناس يرحبون بوجود مراكز البيانات بالقرب من المناطق السكنية شريطة أن يتم تغذية شبكات التدفئة بالحرارة المهدرة.
النباتات والطاقة الكهروضوئية: مركز بيانات صغير تابع لمزود خدمة الإنترنت الألماني "NetCologne"صورة من: Gerd Harder/Zoonar/IMAGOوهناك إمكانات أخرى لتعزيز الاستدامة المناخية وخدمة المصلحة العامة في آن واحد. ففي مدينة ستاكبو السويدية وكذلك في دبلن يمتلك مركزا بيانات تابعان لشركة مايكروسوفت أنظمة تخزين بطاريات عالية الأداء مخصصة لحالات انقطاع التيار الكهربائي أو أوقات الذروة والتي تساهم أيضا في استقرار شبكات الكهرباء أثناء التشغيل العادي.
وبالتالي فإن هذه المنشآت لا تسهم فقط في سيادة أوروبا الرقمية، بل تعزز أيضا استقلالها في مجال الطاقة. وقد تساهم هذه التآزرات أيضا في جعل بعض مراكز البيانات الجديدة المخطط إنشاؤها والتي يثير وجودها قلق الكثيرين في أوروبا حاليا أكثر جاذبية ولو قليلا.
أعده للعربية: م.أ.م