في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
منذ أن اكتشف الفلكي البريطاني ويليام هيرشل كوكب أورانوس عام 1781، أدرك العلماء أنهم أمام عالم مختلف عن بقية كواكب النظام الشمسي. لكن المفاجآت الحقيقية لم تتكشف إلا بعد مرور المركبة فوياجر 2 بجواره عام 1986، وهي المهمة الفضائية الوحيدة التي زارت الكوكب حتى اليوم.
يبلغ ميل محور دوران أورانوس نحو 97.8 درجة، بينما يبلغ ميل محور الأرض 23.4 درجة فقط، وهو الفرق الذي يصنع هذا المشهد الفريد. وبدلا من أن يدور الكوكب كقمةٍ دوارة، يبدو وكأنه يتدحرج حول الشمس.
ويصف "جاكوب كيغيريس" من معهد علم الكونيات الحاسوبي بجامعة دورهام هذه الظاهرة بقوله: "يدور أورانوس على جانبه، بحيث يشير محور دورانه إلى اتجاه يكاد يكون متعامدا مع محاور دوران جميع الكواكب الأخرى في النظام الشمسي".
توضح مجموعة علوم الكواكب في مركز علوم وهندسة الفضاء بجامعة ويسكونسن-ماديسون أن أورانوس يمتلك فترة مدارية تبلغ 84 عاما وميل محور يقارب 97 درجة، ولذلك يتناوب قطباه بين 42 عاما من ضوء الشمس و42 عاما من الظلام.
وعلى الأرض تعرف المناطق القطبية ظاهرة "شمس منتصف الليل" والليل القطبي لعدة أشهر فقط، أما على أورانوس فإن هذه الظاهرة تمتد لعقود كاملة. ولو وُلد شخص -افتراضا- عند أحد قطبي أورانوس أثناء فترة النهار المستمر، فقد يبلغ منتصف عمره قبل أن يشاهد أول غروب للشمس.
ورغم هذا التباين الهائل في الإضاءة، لا تستجيب أجواء الكوكب للتغيرات الموسمية بالسرعة المتوقعة، وهو ما أثار حيرة العلماء لعقود.
كان العلماء يتوقعون أن يؤدي تعرض أحد القطبين لضوء الشمس المستمر لعشرات السنين إلى تغيرات مناخية عنيفة وسريعة، إلا أن الواقع أكثر تعقيدا.
فقد أشارت النماذج الأولى التي طورها باحثو جامعة ويسكونسن-ماديسون إلى أن الغلاف الجوي ينبغي أن يتأخر في الاستجابة للتغيرات الموسمية لمدة تقارب موسما كاملا. لكنّ الملاحظات التي أُجريت حول الاعتدال الشمسي عام 2007 أظهرت أن بعض التغيرات الجوية حدثت بعد بضع سنوات فقط، وليس بعد عقود كما كان متوقعا.
ويزيد من صعوبة فهم هذه الظواهر أن أورانوس من أبرد كواكب النظام الشمسي، إذ يبلغ متوسط درجة حرارة غلافه الجوي نحو 195 درجة مئوية تحت الصفر، كما أن العلماء لا يمتلكون سوى بيانات مباشرة من زيارة واحدة قامت بها "فوياجر 2" قبل نحو 4 عقود.
يبقى السؤال الأكبر: لماذا يميل أورانوس بهذا الشكل الفريد؟ وتشير دراسة اعتمدت على أكثر من خمسين محاكاة حاسوبية، أجراها "جاكوب كيغيريس" وزملاؤه في جامعة دورهام، إلى أن الاحتمال الأكثر ترجيحا يتمثل في اصطدام الكوكب الفتي بجسم ضخم تزيد كتلته على ضعفي كتلة الأرض، مما أدى إلى إمالته على جانبه".
ويقول كيغيريس: "الاحتمال الأكثر ترجيحا هو أن أورانوس الفتي تعرّض لتصادم كارثي مع جسم تبلغ كتلته ضعف كتلة الأرض، إن لم تكن أكبر، فأطاح به إلى وضعه الحالي". لكنه يضيف بحذر: "يكاد يكون مؤكدا أن السبب كان اصطداما عملاقا، لكننا لا نعرف سوى القليل عن كيفية حدوث ذلك أو تأثيراته الأخرى في الكوكب".
ومع ذلك، لا يتفق جميع العلماء مع هذا السيناريو، فقد اقترحت دراسة نُشرت عام 2022 بواسطة "تيانلو لو" و"غريغوري لافلين" تفسيرا بديلا يعتمد على تغير تدريجي في محور دوران أورانوس نتيجة تفاعل مداري مع الكوكب الافتراضي "الكوكب التاسع"، إلا أن هذا النموذج يتطلب شروطا معقدة لا تزال بحاجة إلى إثبات.
بعد مرور أربعين عاما على زيارة "فوياجر 2″، لا يزال أورانوس أحد أقل كواكب النظام الشمسي استكشافا، وما زالت أسئلة أساسية حول مناخه، وتاريخه، وأصل ميلانه، تنتظر بعثات فضائية جديدة للإجابة عنها.
ويذكّرنا هذا الكوكب بأن العلم لا يتقدم بالإجابات وحدها، بل بالأسئلة أيضا، فكل اكتشاف جديد يفتح أبوابا لأسئلة أعمق، ويؤكد أن مواصلة البحث والاستكشاف هي السبيل لفهم الكون الذي نعيش فيه، وأن أكثر العوالم غرابة قد تحمل مفاتيح لفهم تاريخ النظام الشمسي وتطور الكواكب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة