آخر الأخبار

كيف يعرف العلماء شكل الديناصورات القديمة من العظام فقط؟

شارك

هناك اعتقاد بأن العلماء "يتخيلون" شكل الديناصورات كما يتخيل الرسام مخلوقا خرافيا من نقطة على الورق. الأدق أن نقول إن العظام تمنح العلماء "خريطة هندسية" للحجم والاتزان والحركة، ثم تأتي طبقات أخرى من الأدلة آثار فتقلص مساحة التخمين إلى حد كبير.

لذلك، فإن نماذج الديناصورات ثلاثية الأبعاد التي نراها اليوم، وتعلن عنها الجامعات من حين لآخر، هي تركيب علمي متعدد المصادر، فيه أجزاء شديدة اليقين وأجزاء أقل يقينا.

أول ما تفعله العظام أنها تفرض حدودا لا يمكن تجاوزها. فالهيكل العظمي يحدد بدقة نسب الجسم العامة عبر معرفتنا بطول الأطراف، وشكل الحوض، وعدد الفقرات، وطول الذيل، وحجم الجمجمة، وطبيعة القدم.

والأهم أن شكل المفاصل وتجويفاتها يحدد ما تستطيع الأطراف فعله وما لا تستطيع؛ أي أن العظم لا يقول لك "كيف يبدو الحيوان" فقط، بل يقول لك أيضا "كيف يتحرك" و"ما الوضعيات الممكنة".

ولهذا يصعب جدا، مثلا، أن تجعل ديناصورا يقف ويتحرك كقط كبير على الطريقة السنورية، لأن بنية الورك والكاحل والكتف عند الديناصورات تختلف جذريا عن الثدييات، وتظهر هذه الفروق بوضوح في العظام.

مصدر الصورة يصعب جدا، مثلا، أن تجعل ديناصورا يقف ويتحرك كقط كبير على الطريقة السنورية (أنتوني هاتشنجز – جامعة ولاية شمال كارولاينا)

الطبقة الثانية

الطبقة الثانية من المعلومات تأتي من آثار العضلات نفسها، حتى لو لم تحفظ العضلات. فالعظم يحمل غالبا نتوءات وخشونات وحفرا هي أماكن ارتباط أوتار وعضلات قوية.

هذه العلامات لا تعطي قياسا دقيقا مثل سمك العضلة بالسنتيمتر، لكنها تسمح بإعادة بناء خريطة العضلات الرئيسية واتجاهاتها، ومن ثم تقدير لكتلة اللحمية التي كانت تملأ الفراغ فوق الهيكل.

عندما ترى على العظم نتوءا كبيرا لموضع ارتباط عضلة، فذلك يعني ببساطة أن هناك قوة شدّ معتبرة كانت تعمل هناك، وهذا ينعكس على شكل الجسم وقدرته على الحركة.

إعلان

ولتقليل التخمين في الأنسجة الرخوة التي لا تُحفظ عادة، يستخدم العلماء قاعدة محورية اسمها "الحاصرة التطورية الحية"، أي الاعتماد على أقرب الأقارب الأحياء للديناصورات ضمن شجرة الأجداد، من الديناصورات تنتمي إلى سلالة الأركوصورات، وأقرب أقاربها الأحياء اليوم هما الطيور والتماسيح.

فإذا وُجدت بنية معينة (عضلة أو نمط أوعية أو تراكيب تنفسية) في الطيور والتماسيح معا، صار احتمال وجودها في الديناصورات أعلى بكثير، حتى لو لم نجدها محفوظة. بهذه الطريقة لا يخترع العلماء الأنسجة الرخوة من فراغ، بل يستدلون عليها بقواعد تشريحية وتطورية واضحة.

مصدر الصورة عندما تتحرك الديناصورات تترك آثارا قد تستمر محفوظة إلى اليوم (غيتي)

عن الريش

ثم تأتي المفاجأة التي تغلق بابا كبيرا من الشك، فأحيانا لا تصلنا العظام فقط، بل يصلنا جلد الديناصور نفسه أو طبعاته. هناك حفريات استثنائية تظهر نسيج الجلد، ومناطق حرشفية، وتفاصيل سطحية حول الأطراف والذيل.

هذا النوع من الحفظ، الذي يُسمّيه الإعلام أحيانا "مومياوات ديناصورات" مجازا، يجعل بعض الرسومات ليست مجرد استنتاج، بل شبه توثيق لسطح الجسم في مناطق واسعة.

على سبيل المثال، في بعض عينات ديناصورات "الإدمونتوصور" من أواخر العصر الطباشيري، وجدت أجزاء كبيرة من الجسم مكسوّة ببقايا جلد متحجرة وطبعات جلد محفوظة بتفاصيل دقيقة، تظهر ملمس الجلد الحرشفي وأحيانا تفاصيل سطحية تمتد على مناطق من الأطراف والذيل والجذع، وليس مجرد شظايا صغيرة، وفي دراسة منشورة في دورية "ساينس" عام 2025، ظهرت حفريات لعينتين محفوظتين بصورة مذهلة.

هنا قد تسأل: "أليس ممكنا أن تكون الديناصورات فراخا كبيرة بريش؟" والجواب العلمي هو "نعم"، منذ تسعينيات القرن الماضي، كثرت حفريات تظهر ريشا أو بنى شبيهة بالريش عند ديناصورات كثيرة، خصوصا الثيروبودات، وهناك مراجعات علمية معروفة تلخص طيف أشكال الغطاء الخارجي من ألياف بسيطة إلى ريش معقد.

غير ذلك صورة الديناصورات في الثقافة العامة، لكن هذا لا يعني أن كل الديناصورات كانت مكسوة بريش كامل؛ فهناك أيضا مجموعات نملك لها طبعات جلد حرشفي واضحة.

الصورة الحديثة عن الديناصورات ليست ثنائية (سحالي مقابل طيور)، بل طيف واسع، فبعضها ريش كثيف، بعضها ريش جزئي، وبعضها جلد حرشفي في مساحات كبيرة، بحسب السلالة والبيئة والحفظ الأحفوري المتاح.

مصدر الصورة شكل المفاصل وتجويفاتها يحدد ما تستطيع الأطراف فعله وما لا تستطيع (الجزيرة)

عوامل أخرى

والواقع أن الأمر لا يتوقف على العظام فقط، مثلا تلعب آثار الأقدام والمسارات دور "اختبار الواقع" للنماذج. فآثار الأقدام لا تخبرنا فقط بعدد الأصابع وشكل القدم، بل تمنح دلائل عن طول الخطوة واتساعها، وأحيانا عن السرعة التقريبية، بل وعن الحركة الجماعية أو الالتفاف والتوقف.

وعندما يبني الباحث نموذجا حاسوبيا للمشي، يمكنه مقارنة نمط الخطوات الناتج بما تركته الديناصورات على الأرض منذ ملايين السنين. هنا تخرج إعادة البناء من كونها تمثيلا" إلى كونها فرضية قابلة للاختبار.

في النهاية، حين تسأل عن دقة نماذج ثلاثية الأبعاد، فالأمر ليس يقينا تاما، لكنه أقرب لذلك، والأفضل أن نفكر فيها كطبقات يقين. الطبقة الأعلى دقة عادة تشمل حجم الجمجمة، وشكل الأسنان، وعدد الفقرات، وطول الأطراف، وشكل القدم، وجود قرون أو صفائح أو دروع عظمية، لأن مصدرها مباشر من العظام.

إعلان

أما الطبقة الطبقة المتوسطة، والتي يمكن أن تتبدل مع الزمن، فتشمل سماكة العضلات والكتل اللحمية وشكل بعض الحواف الرخوة (مثل تفاصيل الشفاه أو جوانب الوجه)، وهي تستند إلى التشريح المقارن وآثار ارتباط العضلات لكنها تظل قابلة للنقاش.

أما الطبقة الأقل يقينا غالبا فهي اللون الدقيق، وتوزيع الزينة اللحمية، وتفاصيل النقوش، إلا في حالات نادرة تحفظت فيها قرائن مباشرة.

شكل الديناصور في الرسومات الحديثة إذن ليس اختراعا اعتباطيا، لكنه أيضا ليس صورة كاملة يقينية في كل التفاصيل.

لدينا اليوم أسباب قوية تجعلنا واثقين من كثير من الهندسة العامة والحركة، ولدينا أدلة مباشرة في بعض الحالات على الجلد والريش، بينما تبقى بعض التفاصيل، خصوصا اللون والزينة، مساحة مفتوحة للتحديث كلما جاءت حفريات أفضل أو طرق تحليل أدق.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار