آخر الأخبار

بالحرام... الدراما حين تُعرّي مجتمع الإنكار

شارك
ليس سهلاً على الدراما أن تقول ما يخشى الناس قوله، ولا أن تفتح نافذة في جدارٍ سميك من الإنكار والخجل المتوارث. ومع ذلك، يأتي مسلسل "بالحرام" كجرحٍ مفتوح على الهواء، ليحكي الحكايا، وليضع مجتمعًا كاملًا في قفص المساءلة.

هنا لا نتابع قصة جريمة بقدر ما نتابع مجتمعًا يقف في مسرح الحادث: من كان يعرف؟ من صمت؟ من اختار ألا يرى؟ ومن قرّر أن الحقيقة خطرٌ أكبر من الظلم؟

العمل يبدأ من سؤال أخلاقي: كيف تتحول الوصمة إلى سلاح ضد الضحية، وكيف يصبح السكوت لغة النجاة الوحيدة في مجتمع يخاف الفضيحة أكثر مما يخاف الألم.

ومع كل حلقة، يتضح أن الحكاية لا تتعلق بحدث منفرد، بل بمنظومة كاملة من الخوف والستر والتواطؤ غير المعلن، حيث لا يُحمى الضعفاء لأن حمايتهم قد تفضح الآخرين.

الصورة الترويجية التي قدّمت الأبطال بملامح قريبة من مكياج المهرّج ليست عبثًا بصريًا، هي علامة فاقعة: الضحكة ليست فرحًا دائمًا،هي قناع.

الوجه الملوّن قد يخفي انهيارًا داخليًا، كما يخفي المجتمع أوجاعه خلف ابتسامات مجاملة.

وحين تُكتب عبارة "كل طريق إلو آخر إلا طريق الحرام"، يصبح المعنى أشبه بحكمٍ قدري: بعض الطرق تنتهي، لكن الوصمة تبقى، تلاحق صاحبها كختم لا يُمحى.

في قلب هذه الحكاية تقف "جود"، ضحية تقليدية، وامرأة تحاول النجاة من وصمة أشد قسوة من الألم نفسه. هي تواجه ماضيها، وتواجه مجتمعًا يرى في الضحية عارًا ينبغي إخفاؤه.

تخفي بعض الحقيقة، تكشف بعضها، تتحكم بالمعلومة كما لو أنها تحاول استعادة السيطرة على حياة سُلبت منها ذات يوم. فالذي يُسلب صوته، يتعلم أن يصنع صمته بنفسه. هنا يطرح سؤال مفتوح: من يقرر ما هو الحرام؟ القانون؟ العُرف؟ أم ميزان القوة؟

مالك، المحامي الذي يعرف النصوص القانونية، يكتشف أن العدالة لا تُكتب بالحبر وحده. ثمة أسرار داخل البيوت أثقل من ملفات المحاكم، وثمة وجع لا تصل إليه القوانين.

حين يصبح البيت نفسه مساحة ارتياب، يفقد القانون قدرته على الطمأنينة. السيطرة التي يمارسها داخل منزله تبدو كأنها حماية، لكنها في العمق خوف متنكر بلباس النظام.

أما ماهر، فيقف في المنطقة الرمادية حيث تختلط الحماية بالسيطرة، ويجسد الشكل الأكثر هدوءًا للسلطة: سلطة تأتي بنبرة حنونة وتقول "أنا أعرف مصلحتك"، فيما تتحول الرعاية تدريجيًا إلى قيد.

في المقابل، تشكّل صباح حضنًا إنسانيًا بديلًا، بيتًا يلجأ إليه المكسورون والهاربون من القهر، لكن العمل لا يقدم الملجأ كخلاص نهائي، بل كمكان يرتجف بدوره خوفًا من نظرة المجتمع.

حتى الملجأ قد يصبح هشًا أمام سلطة الوصمة. وتكتمل اللوحة بشخصيات نسائية أخرى تكشف أن الألم ليس واحدًا: هناك من تهرب، من تقاوم، من تصمت، ومن تدفع ثمن قرارات لم تتخذها.

العمل يزرع إشارات دقيقة في تفاصيله. الحديقة المنزلية، حيث يحدث الحدث الصادم، إنها منطقة بين الداخل والخارج، بين الخصوصية والعلن. تتحول إلى مسرح حدث، تنهار الحدود بين ما هو عائلي وما هو عام. البيت لم يعد حصنًا، صار مكشوفًا أمام السؤال الجماعي.

المرايا التي تتكرر بصريًا لا تعكس وضوح الهوية، تضاعفها وتشوّهها. الشخصيات فقدت صورة واحدة لذاتها، وصارت نسخًا متعددة تحاول النجاة بوجوه مختلفة. الهوية هنا متصدعة من كثرة ما اضطرت ان "تمثّل" كي تستمر.


قوة المسلسل تكمن في هذا السكوت الثقيل الذي يملأ الفراغ بين الكلمات. لحظة عجز أمام متطلبات الحياة تختصر انهيار طبقة كاملة، مواجهة مع النفوذ تكشف هشاشة العدالة، واعتراف يخلّف وجعًا أعمق من أي صراخ.

العمل يضيء كذلك على ثقافة الوصمة التي تحوّل الضحية إلى متهمة، وتجعل العار أداة ضبط اجتماعي. الخوف من الفضيحة يدفع الناس إلى الصمت، والصمت يمنح المعتدين مساحة للاختباء. هكذا يصبح الظلم منظومة تحمي نفسها بنفسها.

أحد الأسئلة الأكثر إيلامًا التي يطرحها العمل: لماذا لا تكفي القوانين لحماية الناس؟ وجود النص القانوني لا يعني تطبيق العدالة، ووجود المؤسسات لا يضمن الحماية الفعلية. حين يفقد الناس الثقة، يصبح الخوف أقوى من الحق.

نجح "بالحرام" في الوصول إلى الناس لأنه لم يقدّم أبطالًا خارقين ولا أشرارًا مطلقين، بل بشرًا يشبهونهم. ولأنه طرح أسئلة يعرفها الجميع لكن قلّة تجرؤ على نطقها: من يحمي الضعفاء؟ متى يصبح الصمت شراكة؟ وهل العدالة حق للجميع أم امتياز للأقوى؟

الدراما لا تبني دولة، ولا تطبق العدالة، لكنها تكسر الصمت. تسمّي الألم. تكشف الفراغ حيث يفترض أن تكون الحماية. تحرّك الضمير الجماعي وتدفع المجتمع إلى النظر في المرآة.

"بالحرام" ليس مسلسلًا يُشاهد وينتهي. إنه مرآة.
مرآة لوجوه تعبت من التمثيل.
لمجتمع يخاف الحقيقة أكثر مما يخاف الظلم.
ولألمٍ ظل طويلًا بلا اسم.

قد لا يغيّر الفن الواقع، لكنه يوقظ الحقيقة.
وأحيانًا… تكون هذه البداية الوحيدة الممكنة.

يُعرض مسلسل "بالحرام" خلال موسم رمضان 2026 على شاشة mtv اللبنانية ، مع بث عربي عبر قنوات مثل MBC وDubai TV، إضافة إلى توفره للمشاهدة الرقمية على منصة Shahid.

العمل من إخراج فيليب أسمر، وتأليف فادي حسين وشادي كيوان، وإنتاج "شركة إيغل فيلمز" للمنتج جمال سنان، ويضم نخبة من نجوم الدراما اللبنانية أبرزهم رندة كعدي،
ماغي بو غصن، باسم مغنية، تقلا شمعون ، عمار شلق، طوني عيسى ، سارة أبي كنعان وسينتيا كرم.
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا