في 28 يناير/كانون الثاني 1986 توقّف حلم كان يسوَّق له بوصفه "رحلات فضاء روتينية"، عندما انفجر مكوك الفضاء الأميركي تشالنجر (The Space Shuttle Challenger) بعد 73 ثانية فقط من انطلاقه من مركز كينيدي للفضاء، في كارثة لا تزال حاضرة في الذاكرة بعد مرور 40 عاما.
دخل تشالنجر الخدمة عام 1983 بوصفه ثاني مكوك فضائي تشغّله وكالة الفضاء الأميركية ( ناسا) بعد كولومبيا، وكان رمزا لمرحلة كانت تراهن فيها الوكالة على إعادة الاستخدام وخفض كلفة الوصول إلى الفضاء. وفي مسيرته القصيرة، نفّذ المكوك 9 رحلات فضائية ناجحة قبل رحلته العاشرة المشؤومة "إس تي إس 51 إل" (STS-51L)، التي لم تكتمل.
كان على متن تشالنجر سبعة رواد فضاء: القائد ديك سكوبي، والطيار مايكل سميث، والرواد رونالد ماكنير، وجوديث ريزنيك، وإليسون أونيزوكا، وغريغوري جارفيس، إضافة إلى كريستا ماكوليف، أول معلمة تشارك في برنامج "المعلم في الفضاء".
لم تكن ماكوليف رائدة فضاء محترفة، بل معلمة اختيرت من بين آلاف المتقدمين لتقديم دروس تعليمية من المدار، في محاولة من "ناسا" لتقريب الفضاء من الحياة اليومية. ووجودها جعل ملايين الطلاب الأميركيين يشاهدون الإطلاق مباشرة، وتحوّل الحدث إلى صدمة وطنية جماعية.
أما رونالد ماكنير، فكان عالما وموسيقيا بارعا في آلة الساكسفون، بينما عرفت جوديث ريزنيك بدورها الريادي بصفتها امرأة في الهندسة والفضاء، وكلهم تركوا أثرا إنسانيا وعلميا تجاوز لحظة الرحيل.
كشف تحقيق مستقل قادته لجنة روجرز أن السبب التقني المباشر كان فشل حلقات مطاطية تعرف بـ"حلقات أوه" (O-rings) في أحد المعززات الصاروخية الصلبة، إذ فقدت الحلقات مرونتها بسبب البرودة الشديدة صباح الإطلاق، مما سمح بتسرّب غازات حارّة أدت إلى انفجار الخزان الخارجي وتمزق المكوك.
لكن التقرير شدد على أن المشكلة لم تكن تقنية فقط؛ بل كانت ثقافة إدارية داخل "ناسا"، التي تجاهلت تحذيرات مهندسين، ورضخت لضغوط الجدول الزمني، فيما عرف لاحقا بـ"حمّى الإطلاق".
أوقفت "ناسا" رحلات المكوكات قرابة ثلاث سنوات، أعادت خلالها تصميم المعززات الصاروخية، وأجرت تغييرات عميقة على إجراءات السلامة واتخاذ القرار، ورغم عودة البرنامج لاحقا، فإن تشالنجر غيّر نظرة العالم إلى رحلات الفضاء المأهولة بوصفها نشاطا محفوفا بالمخاطر لا يمكن اعتباره روتينيا.
لم تكن تشالنجر المأساة الوحيدة؛ ففي عام 2003 تحطم مكوك كولومبيا أثناء العودة إلى الغلاف الجوي، ما عجّل بقرار إنهاء برنامج المكوكات نهائيا عام 2011. ومنذ ذلك الحين انتقلت "ناسا" إلى نماذج جديدة تعتمد على شراكات تجارية ومركبات أقل تعقيدا.
بعد 4 عقود، لا يُستحضر تشالنجر بوصفه فشلا تقنيا فقط، بل بكونه درسا أخلاقيا في أهمية الاستماع للعلماء، وتقديم السلامة على الجداول والسياسة. وبينما تستعد ناسا اليوم لمهمات " أرتميس" القمرية، تبقى ذكرى تشالنجر تذكيرا دائما بأن الطريق إلى الفضاء، مهما تقدم، لا يزال بعيدا عن الروتين.
ويتقاطع هذا الحدث مع ما يُعرف بـ"يوم ناسا ل لتذكّر" (NASA Remembrance Day)، الذي تحييه الوكالة سنويا في أواخر يناير/كانون الثاني لتكريم رواد الفضاء الذين فقدوا حياتهم أثناء أداء مهامهم، وعلى رأسهم طواقم تشالنجر وكولومبيا وأبولّو 1.
ولا يقتصر هذا اليوم على استحضار المأساة، بل يمثل لحظة تأمل مؤسسية تعيد فيها ناسا التأكيد على ثقافة السلامة، والتعلّم من الأخطاء ووضع حياة رواد الفضاء في صدارة كل مهمة مستقبلية، لأن التقدم في استكشاف الفضاء لا ينفصل عن الذاكرة والمسؤولية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة