من
الإدارات الرسمية إلى المدارس وقصور العدل، تقدّم بدل النقل خلال أيام قليلة من بند جانبي في لائحة المطالب إلى سبب مباشر للتوقف عن العمل. فموظفو
الإدارة العامة ينفذون اليوم ثاني أيام إضرابهم، فيما أعلنت رابطتا التعليم الثانوي والأساسي الرسمي التوقف القسري عن الحضور كل يوم جمعة، وقرر المساعدون القضائيون بدورهم الاعتكاف الجمعة، وفي الحالات الثلاث حضرت كلفة الوصول إلى مركز العمل في صلب التحرك.
قد يبدو المشهد امتدادًا طبيعيًا للنقاش القديم حول رواتب القطاع العام، لكنه يطرح هذه المرة مسألة مختلفة قليلًا. فالخلاف لا يتعلق فقط بحجم ما تدفعه الدولة لموظفيها، وإنما بطريقة احتساب أحد التعويضات المرتبطة بكلفة تتبدل باستمرار.
رابطة موظفي الإدارة العامة تطالب اليوم ببدل نقل يعادل عشرة ليترات من البنزين يوميًا وبدل محروقات يحتسب وفق السعر الحقيقي للصفيحة، فيما يطالب الأساتذة أيضًا برفع بدل النقل بالليترات وربط بدل المحروقات بالتسعيرة المتحركة.
هنا تظهر المشكلة التي تتجاوز ارتفاع المحروقات في الأسبوع الحالي. فالدولة تستطيع أن ترفع بدل النقل من رقم إلى آخر كلما اتسعت
الفجوة ، لكن الكلفة التي يفترض أن يغطيها البدل لا تنتظر موعد القرار التالي. لذلك يصبح السؤال أبعد من تحديد القيمة المناسبة اليوم: هل يستمر التعامل مع كلفة متحركة عبر رقم ثابت يحتاج في كل مرة إلى تفاوض وقرار جديد، أم أن المشكلة تكمن أصلًا في قاعدة الاحتساب نفسها؟
من نيسان إلى أيلول.. الرقم يرتفع والمشكلة تعود
لا يبدأ اعتراض موظفي الإدارة العامة من موجة الأسعار الأخيرة. ففي نيسان، كانت الرابطة تطالب برفع بدل النقل اليومي إلى مليون ونصف مليون ليرة، وعادت في حزيران قبل إضراب
تموز لتطرح الرقم نفسه، إلى جانب رفع السعر المتوسط لصفيحة المحروقات المعتمد في احتساب بعض التعويضات. وفي آب، ظل تعديل بدل النقل وكلفة المحروقات جزءًا من الشروط التي ربطت بها الرابطة قدرتها على الاستمرار في الحضور الكامل إلى الإدارات.
تغيرت الصيغة في أيلول. فبدل الاكتفاء بالمطالبة برقم أعلى، انتقلت الرابطة إلى المطالبة بأن يعادل بدل النقل عشرة ليترات من البنزين يوميًا، وأن يُحتسب بدل المحروقات وفق السعر الحقيقي للصفيحة. الفارق هنا ليس لغويًا. ففي الصيغة الأولى يفاوض الموظف
الدولة على قيمة البدل، أما في الثانية فيطالب بربط القيمة بمرجع يمكن أن يتحرك معها. وقد ظهرت الفكرة نفسها، بصيغ مختلفة، في تحركات موظفين آخرين طالبوا بآلية دورية تواكب المحروقات وكلفة المعيشة والتضخم.
يفسّر هذا التطور أيضًا لماذا لا تنتهي المشكلة كلما عُدّل الرقم. فحتى إذا اقترب البدل الثابت من الكلفة الفعلية عند إقراره، تبدأ المسافة بينهما بالتغير مع تحرك الأسعار. عندها يتحمل الموظف الفارق إلى أن تتدخل الحكومة مجددًا، ويعود مطلب النقل إلى لائحة الإضرابات. وإذا تحركت الأسعار في الاتجاه المعاكس، يمكن أن يبقى التعويض أعلى من الكلفة التي بُني عليها. فالخلل لا يكمن في ثبات الرقم وحده، وإنما في غياب قاعدة واضحة تحدد متى وكيف يُعاد النظر فيه.
بين الليترات والرقم الثابت.. أي قاعدة تصلح؟
لا تبدو فكرة ربط بدل النقل بالبنزين غريبة تمامًا عن القطاع العام. فقد سبق أن استُخدمت في التعليم صيغة تحتسب بدلًا بالليترات عن أيام الحضور، وهي السابقة التي تستند إليها
رابطة موظفي الإدارة العامة اليوم لتقول إن مطلبها ليس اختراعًا لنظام جديد. لكن وجود هذه السابقة لا يعني أن الربط الكامل هو الحل الوحيد، أو أن نقله من قطاع إلى آخر يمكن أن يتم بالصيغة نفسها ومن دون حساب أثره المالي والإداري.
بين الرقم الذي يبقى ثابتًا حتى صدور قرار جديد، والربط الذي يتحرك مباشرة مع سعر المحروقات، مساحة واسعة من الخيارات. ومن الصيغ الممكنة نظريًا مراجعة البدل في مواعيد ثابتة كل ثلاثة أشهر أو ستة، أو اعتماد عتبة سعرية محددة، فلا يُعدّل البدل إلا إذا تجاوز سعر صفيحة البنزين هذا المستوى، أو ربطه بالبنزين ضمن حد أدنى وسقف أعلى. هذه ليست صيغًا مطروحة رسميًا بالضرورة، لكنها أمثلة على آليات تستطيع أن تقلل الفجوة بين الكلفة الفعلية والتعويض من دون أن تجعل الإنفاق يتغير مع كل جدول أسبوعي.
لكن لكل صيغة ثمنها أيضًا. فالرقم الثابت يجعل كلفة البدل أكثر وضوحًا عند إعداد الإنفاق، لكنه ينقل مخاطر ارتفاع الأسعار إلى الموظف بين مراجعتين. وفي المقابل، يحافظ الربط الكامل بدرجة أكبر على علاقة التعويض بالكلفة، لكنه يجعل بند الإنفاق نفسه أكثر تقلبًا. أما المراجعة الدورية أو نظام العتبات والسقوف، فيحاولان توزيع هذه المخاطرة بين الخزينة والموظف، ويمنحان الطرفين قاعدة معلومة سلفًا بدل انتظار كل أزمة جديدة لمعرفة موعد فتح الملف من جديد.
تبدو أزمة بدل النقل أكبر من الخلاف على عشرة ليترات أو مليون ونصف مليون ليرة. فالتحركات المتزامنة في أكثر من قطاع أعادت إلى الواجهة سؤالًا بقيت الزيادات المتلاحقة تؤجله: كيف تعوّض الدولة كلفة تتغير من دون أن يتحول كل تغير فيها إلى مفاوضات جديدة وإضراب جديد؟ قد تتبدل قيمة البدل مرة أخرى، وقد تتراجع أسعار المحروقات أو ترتفع، لكن المشكلة ستبقى ما دام النظام يعرف الرقم الذي يدفعه اليوم، فيما لا توجد قاعدة موحدة ومستقرة تحدد كيف ينبغي أن يتغير هذا الرقم غدًا.