آخر الأخبار

هل سيبقى المواطن المموّل الأساسي لعجز الدولة؟

شارك
السؤال الذي يجب أن يرافق مناقشة موازنة 2027 لا يتعلق فقط بما إذا كانت الحكومة ستنجح في تحقيق عجز صفري على الورق، بل بما إذا كانت قادرة فعلًا على ضبط المالية العامة بطريقة تمنع عودة العجز عند أول اهتزاز اقتصادي أو أمني. فبعد سنوات من الانهيار المالي والنقدي، لم يعد كافيًا أن تتساوى الإيرادات والنفقات في جدول الموازنة. المطلوب معرفة ما إذا كان هذا التوازن قائمًا على إصلاح حقيقي، أم على زيادة قدرة الدولة على تحصيل الأموال من المواطنين والمؤسسات.
الدولة تحتاج بالتأكيد إلى تحسين الجباية ومكافحة التهرب الضريبي واستعادة إيرادات المرافق العامة. وهذه إجراءات ضرورية لأي إصلاح مالي. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول زيادة الإيرادات إلى البديل السهل عن إعادة النظر في بنية الإنفاق العام. عندها يصبح المواطن هو الطرف الذي يُطلب منه باستمرار أن يدفع أكثر، فيما تبقى الدولة عاجزة عن تقديم الإجابة عن سؤال محور، وهو: أين ستذهب هذه الأموال؟
فالمالية العامة لا تُصلح من جهة واحدة. لا يمكن بناء توازن مالي مستدام بمجرد توسيع قاعدة المكلفين وتشديد الرقابة على الشركات وربط بعض الخدمات بالالتزام الضريبي. المطلوب بالتوازي مراجعة كاملة للنفقات، وتحديد الأولويات، ووقف الإنفاق غير المنتج، وإعادة هيكلة المؤسسات العامة، وضبط كلفة الدولة، وتحويل الإنفاق من عبء على الاقتصاد إلى أداة للنمو. وهذا هو الاختبار الحقيقي لموازنة 2027.
وإذا كانت الحكومة تريد القول إنها انتقلت من مرحلة إدارة الانهيار إلى مرحلة التعافي، فعليها أن تثبت أن الموازنة ليست مجرد جدول حسابي متوازن، وإنما جزء من خطة مالية واقتصادية تمتد لسنوات. أما أن تكون الإيرادات هي المتغير الذي يمكن زيادته كلما ارتفعت حاجات الدولة، فيما تبقى النفقات محكومة بالتزامات متراكمة، فذلك لا يعني أن المالية العامة أصبحت سليمة، بل يعني أن الأزمة يجري تأجيلها.
وهنا يجب التوقف عند مفهوم العجز الصفري. فهو خبر جيد إذا كان نتيجة ضبط فعلي للإنفاق وتحسين كفاءة الدولة. أما إذا تحقق أساسًا من خلال زيادة الإيرادات أو تقليص الاستثمار وتأجيل النفقات، فإنه لا يمثل انتصارًا ماليًا كاملًا، بل توازنًا محاسبيًا قد يخفي اختلالات أعمق.
إن لبنان لا يزال يحمل إرثًا ثقيلًا من الأزمة المالية والمصرفية والدين العام. لذلك لا يمكن أن يكون معيار نجاح السياسة المالية هو قدرة وزارة المالية على تحصيل إيرادات إضافية فحسب، لأن المعيار الحقيقي يتمحور حول أسئلة جوهرية: هل تتحسن نوعية الخدمات، هل يرتفع الإنفاق الاستثماري، هل تصبح المؤسسات العامة أقل استنزافًا للخزينة، وهل تملك الحكومة رؤية مالية تتجاوز السنة الواحدة؟
لكن السؤال الأكثر حساسية يتعلق بالمواطن الذي دفع أصلًا ثمن الانهيار المالي مرات عدة من خلال انهيار قيمة العملة، وتراجع القدرة الشرائية، وتدهور الخدمات العامة، وتجميد الودائع، وارتفاع الرسوم والضرائب. ومن غير المنطقي أن تكون الخطوة التالية في الإصلاح هي تحميله العبء مرة أخرى، من دون أن يرى في المقابل دولة أكثر رشاقة وكفاءة وشفافية.
لا يمكن أن تكون المعادلة بهذه البساطة، أي أن الدولة تحتاج إلى المال، إذًا على المواطن أن يدفع. فالمعادلة الصحيحة هي أن تحصّل الدولة المال بعدالة، وتوقف الهدر، وتخفض الإنفاق غير المنتج، وتستثمر ما تجمعه في الاقتصاد والخدمات والبنية التحتية.
وهنا تُختبر الحكومة ووزارة المالية. فالضبط المالي الحقيقي لا يعني أن تصبح وزارة المالية أكثر شدة مع المكلفين فقط، بل أن تصبح الحكومة أكثر شدة مع نفسها أيضًا. وإذا كانت الدولة تريد من الشركات والأفراد تقديم التصاريح ودفع الضرائب في مواعيدها، فمن حق هؤلاء أن يعرفوا كيف تُدار الأموال العامة، ومن يراقبها، وما النتائج التي تحققت مقابلها. أما استمرار التركيز على الإيرادات وحدها، ففي ذلك نسف لفكرة إنتاج نموذج مالي غير متوازن.
لذلك يجب ألا تُقاس موازنة 2027 فقط بحجم الإيرادات أو بنسبة العجز، بل بما إذا كانت الحكومة قد بدأت تغيير سلوك الدولة المالي. فهل يصبح الإنفاق أكثر كفاءة، هل سينخفض الهدر، هل ستزداد الاستثمارات المنتجة، ستصبح الضرائب أكثر عدالة، وهل توجد خطة متعددة السنوات بدل موازنة تنتهي صلاحيتها في آخر السنة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فيمكن عندها الحديث عن بداية إصلاح مالي حقيقي. أما إذا بقيت الدولة تعتمد على المواطن والشركات لتمويل حاجاتها المتزايدة فيما تستمر بنية الإنفاق نفسها، فإن العجز سيبقى كامنًا، حتى لو اختفى من جدول الموازنة. وعندها لن يكون السؤال: هل حققت الحكومة عجزًا صفريًا؟ بل السؤال الأهمّ هو: هل نجحت الحكومة في القضاء على العجز، أم نجحت فقط في إخفائه؟ لأن الفرق بين الأمرين هو الفرق بين موازنة متوازنة على الورق، ومالية عامة قابلة للحياة في الواقع.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا