قام رئيس الجمهورية جوزاف عون بزيارة إلى أثينا تحمل رسميًا عنوان تطوير العلاقات اللبنانية–اليونانية، لكنها تأتي في توقيت يجعل مضمونها أوسع من جدول العلاقات الثنائية التقليدي. فالزيارة سبقتها بيومين فقط دفعة جديدة من الآليات العسكرية اليونانية للجيش اللبناني، وتأتي فيما تتزايد المسؤوليات الموضوعة على المؤسسة العسكرية برًا وبحرًا، ويتحرك لبنان في الوقت نفسه لإعادة فتح ملفاته الاقتصادية والبحرية مع دول شرق المتوسط.
لا تبدأ الصورة من أثينا وحدها. فخلال الأشهر الأخيرة، انتقلت علاقة لبنان بقبرص من ملف حدود بحرية بقي عالقًا سنوات إلى توقيع اتفاقية لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة، بالتوازي مع بدء حوار بشأن الربط الكهربائي والتوجه نحو إعداد دراسة جدوى له بالتعاون مع البنك الدولي. وفي المياه
اللبنانية أيضًا، أُعيد تحريك ملف الاستكشاف من خلال اتفاق البلوك رقم 8 والتزام ائتلاف "توتال إنرجيز" و"إيني" و"قطر للطاقة" إجراء مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد.
تأتي اليونان من جهة أخرى لا تقل أهمية بالنسبة إلى
بيروت : دعم الجيش. فقد تحولت المساعدة العسكرية خلال هذا العام من إعلان استعداد سياسي إلى آليات وصلت بالفعل، فيما سبق لرئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس أن كلّف وزير دفاعه التنسيق مع لبنان لتلبية حاجات المؤسسة العسكرية. لذلك لا تبدو زيارة عون منفصلة عن مسارين يتقدمان بالتوازي، أحدهما يعيد لبنان إلى حسابات شرق المتوسط الاقتصادية، والآخر يبحث عن شركاء للمؤسسة التي يُراد أن تتسع مسؤولياتها على الأرض وفي البحر. فما الذي يستطيع لبنان أن يبنيه بين نيقوسيا وأثينا؟
من حدود البحر إلى المصالح المشتركة
كان ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة مع قبرص الخطوة الأوضح في إعادة ترتيب علاقة لبنان بضفته المقابلة في المتوسط. فالبلدان سبق أن وقعا اتفاقًا للترسيم عام 2007 من دون أن يدخل حيز التنفيذ، قبل أن يعود الملف إلى الواجهة ويُنجز بصيغة جديدة هذا العام. ولا تقتصر قيمة الاتفاق على تحديد الإحداثيات، إذ ينص أيضًا على التعاون عند وجود موارد طبيعية ممتدة عبر المنطقتين الاقتصاديتين، ما يوفر إطارًا قانونيًا تحتاج إليه أي مشاريع مستقبلية مرتبطة بالطاقة والاستثمار البحري.
على هذا المسار، ظهر ملف الربط الكهربائي بوصفه الاختبار التالي لتحويل العلاقة البحرية إلى منفعة اقتصادية. فقد أعلن الجانبان بدء الحوار حول ربط شبكتي الكهرباء، والتوجه إلى البنك الدولي لإعداد دراسة جدوى، فيما تتابع وزارة الطاقة اللبنانية اتصالاتها مع قبرص إلى جانب مصر وسوريا والأردن بشأن خيارات الربط واستيراد الطاقة. وفي موازاة ذلك، أعاد
مجلس الوزراء فتح باب النشاط في المياه اللبنانية من خلال البلوك رقم 8، حيث تبدأ المرحلة الأولى بمسح زلزالي ثلاثي الأبعاد على مساحة 1200 كيلومتر مربع قبل اتخاذ قرار بشأن الانتقال إلى الحفر.
لا تجعل هذه الملفات اليونان طرفًا مباشرًا فيها، ولا تحمل زيارة عون مشروعًا معلنًا لإنشاء محور لبناني–قبرصي–يوناني. أهميتها تأتي من موقع أثينا داخل البيئة نفسها: دولة متوسطية عضو في
الاتحاد الأوروبي ، تربطها علاقات وثيقة بقبرص، ولها مصالح متزايدة في الطاقة والممرات البحرية والاستقرار الإقليمي. ومن هنا يستطيع لبنان التعامل معها كبوابة إضافية إلى فضاء
أوروبي ومتوسطي، بعدما بقي البحر لسنوات حاضرًا في السياسة اللبنانية أساسًا من خلال النزاعات على الحدود وملف
الغاز . الجديد أن بيروت تحاول وضع المصالح الاقتصادية والتعاون المؤسساتي إلى جانب هذين الملفين.
دعم الجيش ينتقل من الكلام إلى الآليات
قبل وصول عون إلى أثينا بيومين، تسلّم الجيش في مرفأ بيروت الدفعة الثانية من الهبة العسكرية اليونانية، وضمت 13 ناقلة جند من طراز M113 وعشر شاحنات، بعدما وصلت الدفعة الأولى في كانون الثاني الماضي. وهذه المساعدة جزء من مسار أوسع؛ فقد أبدى
وزير الدفاع اليوناني نيكوس دندياس خلال زيارته بيروت استعداد بلاده لتقديم آليات عسكرية ومروحيات وشاحنات وقطع غيار، إضافة إلى تدريب ضباط لبنانيين في المؤسسات العسكرية اليونانية. وفي الأول من تموز، أكد ميتسوتاكيس دعم بلاده للبنان وكلّف وزير الدفاع التنسيق مع نظيره اللبناني بشأن حاجات الجيش.
تزداد أهمية هذا المسار مع حجم المهام التي تنتظر المؤسسة العسكرية. فالجيش يتحمل مسؤوليات متزايدة في الجنوب وعلى الحدود، ويُطلب منه تنفيذ خطة حصر السلاح وبسط سلطة الدولة، فيما يتقدم في البحر انتقال تدريجي لمسؤوليات كانت تتولاها القوة البحرية التابعة لـ"اليونيفيل". وقد وقعت البحرية اللبنانية مع هذه القوة إطارًا عملياتيًا لعام 2026 يرفع مستوى مسؤوليتها عن تأمين المياه الإقليمية، مع انتقال القوة الدولية تدريجيًا إلى دور أكبر في التدريب والمشورة والمراقبة بدل تنفيذ المهام مباشرة.
لليونان صلة مباشرة بهذا الجانب أيضًا. فهي واحدة من الدول التي شاركت في القوة البحرية لـ"اليونيفيل"، وبالتالي راكمت خبرة في العمل قبالة الساحل اللبناني والتعاون مع البحرية اللبنانية. ولا يجعل ذلك أثينا بديلًا عن القوة الدولية أو عن الدول التي تؤدي الدور الأكبر في تمويل الجيش وتسليحه، لكنه يمنح العلاقة قيمة عملية في مرحلة يحاول فيها لبنان توسيع دائرة الدول المستعدة لتقديم المعدات والتدريب والخبرة. فكلما توسعت مسؤولية الجيش، اتسعت الفجوة بين ما يُطلب منه وبين الإمكانات التي يستطيع تمويلها من موازنة دولة لا تزال تعاني أزمة مالية عميقة.
تضع زيارة أثينا لبنان أمام معيار أكثر بساطة من الخطاب عن موقعه في شرق المتوسط: تحويل الجغرافيا إلى مصالح قابلة للقياس. مع قبرص، بدأ ذلك بترسيم البحر وفتح ملف الكهرباء. ومع اليونان، يظهر في تجهيز الجيش والتدريب والتعاون البحري. قيمة أثينا بالنسبة إلى بيروت لا تكمن في إضافة محطة جديدة إلى روزنامة الزيارات الرئاسية، وإنما في نقل العلاقة من المجاملات السياسية إلى ملفات تستطيع الدولة أن تستخدمها فعليًا، في البحر وعلى الأرض.