آخر الأخبار

هل فعلًا تراجع نفوذ تيار المستقبل في بيروت؟

شارك

اتخذ الكثيرون من فوز لائحة "عائلات بيروت المستقلة" المدعومة من النائب فؤاد مخزومي في انتخابات اتحاد جمعيات العائلات البيروتية بأحد عشر مقعدًا من أصل 18، في مقابل فوز لائحة "قوتنا في الاتحاد" المدعومة من " تيار المستقبل " وحلفائه بستة مقاعد، وفوز لائحة "الحياد الإيجابي" بمقعد واحد، حجة للتصويب على "التيار الأزرق"، لجهة تأكيد تبدل المزاج الشعبي البيروتي وتراجع نفوذ "التيار الأزرق" بشكل كبير. فهل هذا الأمر صحيح؟

بدايةً، لا بد من استعراض الأسباب التي قادت إلى هذه النتيجة، بحسب تبريرات مناصري "تيار المستقبل":

أولًا: قاطع "تيار المستقبل" أهم استحقاقين انتخابيين نُظّما خلال السنوات الماضية، أي الانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت في العام 2022، والانتخابات البلدية والاختيارية التي جرت في العام 2025، الأمر الذي جعل ماكنته الانتخابية في حال تراخٍ، على الرغم من القرار المتردّد بالعودة إلى العمل السياسي، والذي كان أعلنه رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في شباط الماضي.

ثانيًا: إن استحقاق انتخابات اتحاد جمعيات العائلات البيروتية محدود الأهمية، ومعنوي أكثر منه عملي، ووقعه بالتالي ليس بأهمية انتخابات نيابية أو حتى انتخابات بلدية واختيارية، الأمر الذي أضعف أهمية هذه المعركة الانتخابية ككل من وجهة نظر الكثير من العائلات البيروتية.

ثالثًا: إن عدم سداد الاشتراكات المالية اللازمة من قبل ممثلي مجموعة واسعة من العائلات البيروتية حرمها من حق التصويت، ما جعل المنافسة الأخيرة على مقاعد اتحاد العائلات محصورة ضمن هامش ضيق.

في المقابل، يمكن التوقف عند دلالات عدة، لا يمكن لمناصري "تيار المستقبل" التنكر لها:

أولًا: فوز الخيار الانتخابي الذي يعطي الأولوية للعائلات المستقلة يعكس رغبة شريحة واسعة من الجمعيات العائلية البيروتية في تقديم الدور الاجتماعي والتنموي للاتحاد على تسجيل النقاط السياسية والاستقطاب الحزبي الضيق.

ثانيًا: لا يمكن إنكار أهمية اختراق المعاقل الانتخابية التقليدية التي كانت تدور في فلك "التيار الأزرق"، الأمر الذي يدل على تحول في مزاج قسم كبير من القواعد العائلية. وليس بالقليل خروج عائلة من وزن " آل سنّو " من الهيئة الإدارية المنتخبة، حيث لم يفز أي مرشح منها، علمًا أنها كانت من أبرز عائلات الاتحاد، ولا اقتصار تمثيل عائلة من وزن " آل عيتاني " على فوز مرشح واحد منها، وهي التي يزيد عدد ناخبيها على لوائح الشطب الخاصة بالانتخابات النيابية عن اثني عشر ألف نسمة في بيروت.

ثالثًا: أثبت النائب فؤاد مخزومي حضورًا متزايدًا في البيئة البيروتية، وهو ما يعزى إلى تواجد فريق عمله الثابت والمستدام على الأرض، بعكس جهات سياسية عدة لا تتواجد إلى جانب الناخبين إلا عشية الاستحقاقات الانتخابية.

رابعًا: صحيح أن المهندس وليد كبّي شخصية بيروتية بارزة، إذ كان عمل إلى جانب رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري في قريطم متابعًا لحاجات أهالي بيروت، لكن الأصح أن مساره السياسي شهد تمايزًا واختلافًا مع الإدارة الحالية لتيار المستقبل وحلفائه بشأن قيادة الشأن البيروتي.

وانطلاقًا مما سبق، لا يمكن الجزم بتبدل المزاج الشعبي البيروتي وتراجع نفوذ "التيار الأزرق" بشكل كبير من دلالة نتائج انتخابات اتحاد جمعيات العائلات البيروتية حصرًا. والأكيد أن إرث الحريري الأب ما زال في وجدان شرائح واسعة من الناخبين، والولاء لرئيس الحكومة السابق سعد الحريري ما زال ملموسًا بالعين المجردة في الصور والشعارات التي تغطي أحياء تقليدية في بيروت، منها مثلًا الطريق الجديدة، والمزرعة، والمصيطبة، وغيرها من المناطق. لكن من الواضح أن مناطق مثل دائرة بيروت الثانية التي كانت تعد تاريخيًا بمثابة خزان "تيار المستقبل" البشري تشهد تراجعًا في الولاء السياسي المطلق. وما يعانيه "التيار الأزرق" حاليًا يختصر بما يلي:

أولًا: ضياع جزء من مناصريه التقليديين بين ارتباطهم الديني والثقافي والاقتصادي مع المملكة العربية السعودية ، وتأييدهم لوريث "التيار" سعد الحريري، وتأثرهم بالأقاويل التي تتحدث عن استمرار الحظر السياسي الذي تفرضه السعودية عليه.

ثانيًا: رفض جزء من مناصري "تيار المستقبل" التقليديين السياسات التي اعتمدها الحريري خلال السنوات الماضية مع قوى "14 آذار" السابقة، وتقربه بشكل معلن حينًا وغير معلن حينًا آخر من " حزب الله " و" التيار الوطني الحر ". ويؤيد هؤلاء عودة "التيار الأزرق" إلى خطاب داخلي قوي، ودعم منصب رئاسة الحكومة بحزم، انطلاقًا من التحول السياسي الكبير في سوريا والمنطقة، وتأييدًا لسياسة حصر السلاح بالدولة والجيش اللبناني، وتنفيذًا لقرار جعل بيروت مدينة خالية من السلاح.

ثالثًا: تأثر جزء من مناصري "تيار المستقبل" التقليديين بضعف شبكته الحزبية الحالية مقارنة بالماضي، وخصوصًا بتراجع الخدمات بشكل كبير، وإقفال الكثير من المؤسسات الاجتماعية والخدمية والإعلامية التي كانت تابعة له.

في الخلاصة، إن دقة وضع "تيار المستقبل" تتجاوز نتائج انتخابات اتحاد جمعيات العائلات البيروتية، وترميم قاعدته الشعبية وعودة نفوذه السابق لا يمكن أن يمرّا عبر مواصلة السياسة الرمادية نفسها التي اعتمدها رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في سنوات حكمه الأخيرة. وبالتالي، ما لم يستعد "التيار الأزرق" الخطاب السياسي الحازم والواضح المعالم إزاء القضايا اللبنانية الأساسية، وما لم يحظَ بضوء أخضر من الحاضنة السياسية الإقليمية التي كانت وراء تأسيسه، فإن حال الضياع سيبقى سائدًا في صفوف المناصرين، وعلى الأرجح أن السقطات الانتخابية ستتكرر!

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا