فعل الكسر في اللاهوت يحمل دلالة إيجابية وبنّاءة وخلاصيّة، لا بل لاهوتيّة، لكن يقابله في المقلب الآخر دلالة سلبية وهدّامة ومدمّرة.
الدلالة اللاهوتيّة نجدها في العشاء السرّي، عندما قال الرب لتلاميذه:
«وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ، أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: "خُذُوا كُلُوا. هَذَا هُوَ جَسَدِي".» (متى 26: 26). الربّ يسوع المسيح كسر نفسه فداءً للبشريّة جمعاء. وفعل الكسر هنا هو الموت عن الذات. وهي دعوة لنا جميعًا. لهذا قال الرب: «إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي، فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا.» (متى 16: 24-25).
قد تكون الآيتان صادمتين، لأن الإنسان بطبيعته يطلب الحياة والظهور، وليس الموت والنكران. بينما المنطق الإلهي يختلف تمامًا، كما شرح يسوع قائلًا : «اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ، فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلَكِنْ إِنْ مَاتَتْ، تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ.» (يوحنا 12: 24).
ما يطلبه منّا الرب ليس بمعجزة ولا بمستحيل، والشاهد الأكبر على ذلك هم القدّيسون، وعلى رأسهم والدة الإله . وممّا لا شكّ فيه أن يسوع هو المثال الأوّل لنا، وأن قداسة القدّيسين هي من قداسته هو.
عودة إلى فعل الكسر. فنكران الذات والموت عن الذات ليس كسرًا إنهزاميًّا، بل بناءً وخلاصًا، لأن المقصود هو موت الإنسان العتيق، المليء بالأهواء المميتة، بهدف الولادة الجديدة بالمسيح يسوع. عندها فقط نستعيد موطننا الأوّل الملكوت ي الذي خسرناه بالخطيئة ونتائجها، ونعود نشعّ بالنور الإلهي غير المخلوق، أيقوناتٍ نورانيّةً وسكنى للروح القدس.
الأمر ليس سهلًا على الإطلاق، ويتطلّب جهادًا ثابتًا، وتوبةً صادقةً، وتغييرًا لمسار ذهننا، لنسلك الطريق المستقيم.
مصدر الصورة
نعم، وبكلّ تأكيد، خصمنا الحقيقي هو إبليس، ذاك المخلوق الساقط الذي يجول ملتمسًا مَن يبتلعه. لهذا يدعونا بطرس الرسول (1 بطرس 5: 8) إلى أن نبقى صاحين، ومتيقّظين، وساهرين، لئلّا يغلبنا نعاس التكاسل والكلل، فنصبح، لا سمح الله، لقمةً سائغةً في فم الشيطان .
وقد حذّرنا الرب من سارق النفوس، أي الشيطان، ودعانا إلى أن نبقى دائمًا ساهرين (متى 24: 43)، وطلب منّا أن نصلّي في صلاة الأبانا: «ونجّنا من الشرّير». والشرّير هو شخص، وليس فكرة، أي الشيطان.
وإذا سألنا: ما هو هدف الشيطان الأوّل والأخير؟ لكان الجواب: «كسر أيقونة الرب المتجسّدة فينا»، لأن الله صنعنا على صورته: «فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.» (تكوين 1: 27).
كلمة «صورة» هي «أيقونة» في اللغة اليونانية، وهكذا تُرجمت في الترجمة السبعينية التي تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد.
وليس صدفةً على الإطلاق أن تُسمّى الحرب التي شُنّت ضد الأيقونات في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، والتي دامت نحو 120 سنة، بـ Iconoclasme ، أي «كسر الأيقونة». وهي كلمة تأتي من اليونانية القديمة εἰκονοκλασία (eikonoklasía)، وهي مؤلّفة من εἰκών (eikṓn)، أي «صورة»، والفعل κλάω (kláō)، أي «كَسَرَ. »
لا نتكلّم هنا عن صورة عادية، بل عن صورة مقدّسة، والإنسان مدعوّ إلى أن يحقّق القداسة باتّحاده بالمسيح. وهذا لا يتمّ إلّا بكسر الكبرياء وإفراغ الذات للامتلاء من الروح القدس.
وأيضًا، إذا بحثنا في جذر الفعل عمّا فعله يسوع مع الخبز في العشاء الأخير ، لوجدنا الفعل «كَسَرَκλάω (kláō) »، لتكون الخلاصة: الربّ قدّم نفسه ذبيحةً حيّةً عن كلّ واحدٍ منّا، ليعلّمنا معنى الفداء والتضحية والمحبة والتواضع.
فإن قبلنا ذبيحته المقدّسة، وعشنا هذه الفضائل، فلن يكسرنا الشيطان، بل نبقى قائمين في الربّ القدّوس إلى الأبد.
إلى الربّ نطلب.
المصدر:
النشرة