آخر الأخبار

الصحافي داخل المؤسسة الإعلامية: من يحميه عندما تصبح الحرية مسألة راتب ووظيفة؟ (3)

شارك

قد يبدو الحديث عن حرية الصحافة ، للوهلة الأولى، مرتبطًا بالسلطة السياسية أكثر من أي شيء آخر: هل تستطيع الدولة أن تمنع نشر خبر؟ هل يجوز توقيف صحافي بسبب مقال؟ وهل يحق للسلطات التدخل في الخط التحريري؟ لكن هذا الوجه من المشكلة، على أهميته، لا يستنفد القضية. فهناك سلطة أخرى يعيش الصحافي تحت تأثيرها يوميًا، وقد تكون أكثر التصاقًا بحياته المهنية من أي سلطة سياسية: المؤسسة التي يعمل فيها.

وهنا تبرز ثغرة تستحق أن تُبحث بجدية في اقتراح قانون الإعلام ال لبنان ي الجديد. فالنص المعدّل يتضمن بالفعل ضمانات مهنية مهمة؛ إذ ينص على حق الصحافي في رفض توقيع مادة عُدّل مضمونها أو شكلها من دون علمه، وحقه في الامتناع عن عمل يتعارض مع ضميره المهني، كما يحظر ممارسة الضغط أو التهديد المادي أو المعنوي عليه للتأثير في عمله، ويؤكد استقلالية التحرير في وسائل الإعلام. كما يقر حق الصحافيين في تأسيس النقابات والانضمام إليها، ويحظر اتخاذ إجراء إداري أو مهني بحقهم بسبب نشاط نقابي مشروع.

هذه ضمانات مهمة، بل أساسية. لكنها لا تجيب عن سؤال آخر: ماذا يحدث للصحافي عندما تكون المشكلة في عقد عمله أو راتبه أو شروط بقائه في المؤسسة؟

فصحافي يتلقى راتبه متأخرًا لأشهر، أو يعمل من دون عقد واضح، أو يخشى الصرف إذا رفض تنفيذ تعليمات مخالفة للمعايير المهنية، أو يجد نفسه تحت ضغط مستمر بسبب موقف تحريري، قد يمتلك نظريًا حقًا في الاستقلال، لكنه لا يملك بالضرورة القدرة العملية على ممارسته. وهنا يصبح الاستقلال التحريري مرتبطًا ب الأمان الاقتصادي ، وليس فقط بالنصوص التي تتحدث عن حرية التعبير .

وهذه ليست ملاحظة لبنانية معزولة. فقد أصدرت منظمة العمل الدولية في 2026 تقريرًا خصصته للعمل اللائق وسلامة الصحافيين، وخلص بوضوح إلى أن حماية الصحافي لا ترتبط بحرية التعبير وحدها، بل أيضًا بالحقوق الأساسية في العمل، وبشروط العمل الآمنة، والحماية من المضايقة والعنف والضغط المهني. كما تؤكد المنظمة أن حرية التفاوض الجماعي وحرية التنظيم النقابي من الأدوات الأساسية لتحديد الأجور وشروط العمل بصورة عادلة.

من هذه الزاوية، يصبح موقف نقابة محرري الصحافة اللبنانية الرافض للاقتراح بصيغته الحالية ذا دلالة خاصة. فقد اعتبرت النقابة، في 27 تموز 2026، أن المشروع «لا يحمي العاملين في المهنة» ولا يجعل الإعلام قطاعًا منتجًا مرتبطًا بالدورة الاقتصادية الوطنية، وطالبت بسحبه وإعادة درسه. وهذا الاعتراض يفتح الباب أمام سؤال أكبر من المادة 104 والعقوبات الجزائية: هل استطاع المشروع أن يرى الصحافي باعتباره عاملًا له حقوق اقتصادية واجتماعية، أم أنه رآه أساسًا بوصفه صاحب وظيفة تحريرية؟

الواقع أنّ حماية الصحافي من الضغط المعنوي، مهما كانت مهمة، تبقى ناقصة إذا لم تترافق مع حماية من الانتقام الوظيفي. فرب العمل قد لا يحتاج إلى تهديد الصحافي بصورة مباشرة. يكفي أحيانًا أن يلوّح بالنقل، أو خفض الراتب، أو وقف المهمة، أو إنهاء العقد، أو حرمان الصحافي من فرص العمل، حتى يصبح الضغط المهني واقعًا فعليًا. ولذلك ينبغي أن يميز القانون بين سلطة المؤسسة في إدارة عملها، وهي سلطة مشروعة، وبين استعمال هذه السلطة لمعاقبة الصحافي على ممارسة حق مهني مشروع.

المسألة تصبح أكثر حساسية في المؤسسات الإعلاميّة التي تتداخل فيها الملكية مع السياسة أو الأعمال. فالصحافي الذي يُطلب منه تعديل خبر يطاول مصالح المالك، أو حذف تحقيق يرتبط بإعلان مهم، أو تغيير صياغة بسبب علاقة سياسية، لا يواجه فقط سؤالًا أخلاقيًا؛ إنه يواجه أحيانًا سؤالًا يتعلق براتبه ومستقبله. وفي بيئة اقتصادية هشّة، قد يكون ثمن الرفض مرتفعًا جدًا.

لهذا ينبغي، في رأيي، أن يتضمن قانون الإعلام فصلًا واضحًا عن حقوق الصحافيين والعاملين في المؤسسات الإعلامية. وليس المقصود تحويل القانون إلى نسخة ثانية من قانون العمل، بل وضع قواعد خاصة تفرضها طبيعة المهنة:

1-إلزام المؤسسات ب عقود عمل مكتوبة وواضحة. فالصحافي يجب أن يعرف مسبقًا وظيفته وأجره وحقوقه وواجباته وشروط انتهاء العلاقة التعاقدية. وينبغي، في الوقت نفسه، منع استخدام العقود الهشة أو المتجددة بصورة تترك الصحافي دائمًا تحت رحمة المؤسسة.

2-أن يكون رفض الصحافي تنفيذ عمل مخالف للقانون أو للأخلاقيات المهنية سببًا لحماية قانونية، لا سببًا للعقوبة. فالنص الحالي يقرر بالفعل حماية الصحافي الذي يرفض عملًا يتعارض مع ضميره المهني، لكن قيمة هذه الحماية تتوقف على وجود آلية عملية تمنع المؤسسة من الانتقام منه بصورة غير مباشرة.

3-تنظيم مسألة الأجور. فانتظام دفع الراتب ليس مجرد شأن عمالي؛ له علاقة مباشرة بجودة الإعلام واستقلاله. الصحافي الذي يعيش تحت ضغط مالي دائم يصبح أكثر عرضة للابتزاز أو الإغراء أو قبول ما كان سيرفضه في ظروف أكثر استقرارًا. ولذلك فإن محاربة الرشوة في الإعلام لا تبدأ فقط بمعاقبة من يقبل المال، بل تبدأ أيضًا ببناء بيئة مهنية لا تدفع العامل إلى الهشاشة.

وهنا ينبغي التمييز بين «الرشوة» بمعناها الجزائي، وبين تضارب المصالح والهدايا والمنافع والضغط على الصحافي. قانون الإعلام يستطيع أن يضع قواعد واضحة بشأن تضارب المصالح، والإفصاح عن المنافع، ومنع المؤسسة من إرغام الصحافي على الترويج التجاري تحت ستار العمل الصحافي، وحماية من يرفض محاولة شراء موقفه أو تغيير مادة صحافية.

كذلك لا بد من حماية من يمكن وصفهم بـ«المبلّغين داخل المؤسسة». فإذا اكتشف صحافي تلاعبًا ماليًا أو تضليلًا متعمدًا أو تزويرًا أو خرقًا جسيمًا للمعايير المهنية، وأبلغ عنه بحسن نية، يجب ألا يصبح الإبلاغ سببًا لفصله أو تهميشه. ومن دون هذه الحماية، يمكن لأي مؤسسة أن تحول قواعدها الداخلية إلى جدار يمنع كشف المخالفات.

ومن المسائل التي تستحق المعالجة أيضًا العمل في ظروف الخطر. فالمراسلون والمصورون والعاملون في الميدان يتعرضون أحيانًا لمخاطر أمنية وجسدية كبيرة، ولا ينبغي أن تبقى العلاقة بينهم وبين المؤسسات خاضعة فقط للتقدير الفردي. الحماية القانونية التي يمنحها الاقتراح للصحافي أثناء عمله مهمة، لكنها تحتاج إلى أن تُترجم داخل المؤسسات إلى تأمين وتدريب وتجهيزات وإجراءات واضحة للسلامة. وهذه المسألة تتقاطع مباشرة مع توجه منظمة العمل الدولية الحديثة التي تربط أمن الصحافي بحقوقه العمالية.

ولا تكتمل الصورة من دون النقابات. فحرية الصحافي في تأسيس النقابات والانضمام إليها، التي يكرسها الاقتراح، ينبغي ألا تبقى حقًا نظريًا. فالمعايير الدولية تعتبر حرية التنظيم والتفاوض الجماعي من العناصر الأساسية للعلاقة العادلة بين العامل ورب العمل. والمطلوب في لبنان هو نقل هذا المبدأ من النص إلى ممارسة تسمح بتمثيل حقيقي للعاملين داخل المؤسسات.

لكن الأهم هو إيجاد آلية سريعة لحل النزاعات المهنية الإعلامية. لا يكفي أن يقول القانون إن الصحافي محمي إذا كان عليه أن ينتظر سنوات في المحاكم لإثبات أن فصله جاء انتقامًا من موقف مهني. وقد تكون الغرامة أو الإيقاف أو النقل قد حققت هدفها قبل أن يصدر الحكم. لذلك يمكن التفكير في هيئة أو مسار قضائي متخصص وسريع للنزاعات المهنية الإعلامية، مع بقاء القضاء صاحب الكلمة النهائية.

في النهاية، لا ينبغي أن ينظر المشرّع إلى حقوق الصحافي باعتبارها امتيازًا يمنحه صاحب المؤسسة، ولا باعتبارها تفصيلًا يمكن أن يتكفل به قانون العمل وحده. فالصحافة مهنة ذات طبيعة خاصة، واستقلالها لا يتحقق فقط بإبعاد الدولة عن غرفة الأخبار، بل أيضًا بمنع تحويل الراتب والوظيفة إلى وسيلة للسيطرة على القرار التحريري.

القانون الجيد هو الذي يحمي الصحافي عندما يقول «لا» للسلطة السياسية، لكنه يحميه أيضًا عندما يقول «لا» لمالك المؤسسة، أو لرئيس التحرير، أو لأي جهة تحاول شراء موقفه أو إجباره على تشويه الحقيقة. ومن دون هذه الحلقة المفقودة، تبقى حرية الإعلام كاملة على الورق وناقصة في الحياة اليومية.

والتحدي الحقيقي أمام المشرّع اللبناني ليس أن يضيف مزيدًا من العبارات عن الحرية، بل أن يجعل الصحافي حرًا وقادرًا على ممارسة حريته في آن واحد.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا