بعد سبعة أسابيع على توقيع اتفاق الإطار بين لبنان و إسرائيل ، لم تعد المشكلة في بطء التنفيذ فقط، ولا في الاعتراضات على بعض الآليات والبنود التي تفسّرها إسرائيل على هواها. فالجولة الأخيرة من المفاوضات في روما انتهت من دون اختراق في ملفي الانسحاب الإسرائيلي وآلية التحقق من نزع السلاح، فيما لا تزال إسرائيل تربط مغادرتها بما تعتبره إزالة تهديد " حزب الله "، ويتمسك الحزب برفض بحث سلاحه قبل انتهاء الاحتلال.
وسط هذا المأزق، يستمرّ "حزب الله" في رفع سقف اعتراضه على المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وهو يطالب الدولة بالخروج من اتفاق الإطار. ويعارض رئيس مجلس النواب نبيه بري ، بدوره، الاتفاق، الذي يصفه بأنه "مولود ميت"، ويعتبر أنّه "أسوأ" من اتفاق 17 أيار 1983. أما وليد جنبلاط ، فيذهب في اتجاه مختلف قليلًا باعتراضه، إذ يعتبر أن لبنان دخل المفاوضات من موقع ضعيف، وأنه كان يجب أن يتمسك ب اتفاقية الهدنة مع إسرائيل لعام 1949 .
لا تتلاقى مواقف المعترضين على اتفاق الإطار، فـ"حزب الله" يرفض أصل التفاوض المباشر، وبري يركّز اعتراضه على مضمون الاتفاق وما رتبه على لبنان، فيما ينطلق جنبلاط من وجود مرجعية سابقة يعتقد أن تجاهلها أضعف الموقف اللبناني. ومع ذلك، يلتقي النقاش عند سؤال يتجاوز الخلاف على بند بعينه: هل كان لبنان يحتاج إلى مرجعية جديدة، أم كان يستطيع الانطلاق من هدنة 1949 وتطويرها؟
لماذا عادت هدنة 1949 الآن؟
لم يولد طرح جنبلاط بعد تعثر مفاوضات روما، ولا حتى بعد توقيع اتفاق الإطار. فمنذ نيسان الماضي، دعا إلى العودة إلى اتفاقية الهدنة لعام 1949 "مع بعض التطوير"، قبل أن ينتقد بعد توقيع اتفاق 26 حزيران غيابها عن المرجعية التي انطلق منها الوفد اللبناني، إذ قال في 10 آب إن الوفد اللبناني كان يجب أن يبدأ من "الأساسيات" قبل الانتقال إلى المناطق التجريبية. المقصود ليس استحضار نص تاريخي فقط، وإنما القول إن لبنان كان يمتلك مرجعية ثنائية مسجلة في الأمم المتحدة تحدد خط الهدنة وتمنع الأعمال العدائية.
بالنسبة إلى جنبلاط، كان على الوفد اللبناني أن ينطلق من اتفاقية هدنة 1949 قبل الانتقال إلى الاتفاقات الجديدة و"المناطق التجريبية"، ما يفتح النقاش من الباب العريض، ولو أن المقارنة ليست بين وثيقتين تؤديان الوظيفة نفسها. فهدنة 1949 وضعت قواعد لوقف الأعمال العدائية وحماية الحدود إلى حين تسوية سياسية، فيما يضع إطار 2026 هدفًا أبعد، يبدأ باستعادة الدولة حصرية السلاح، ويمرّ بانسحاب إسرائيلي تدريجي، وقد لا يتوقف عنده، في ظل مسار أوسع يتجه نحو إنهاء حالة الحرب والحديث المتصاعد عن اتفاق سلام.
غير أن التطبيق أعاد خلط هذه المراحل بعدما ربطت إسرائيل انسحابها بنزع سلاح "حزب الله" وإزالة ما تسميه تهديده في كل لبنان.
ماذا أعطت هدنة 1949 للبنان؟
في الوقائع التاريخية، وُقعت اتفاقية الهدنة اللبنانية– الإسرائيلية في رأس الناقورة في 23 آذار 1949، في سياق الاتفاقات التي أنهت العمليات العسكرية للحرب العربية-الإسرائيلية الأولى. وهي لم تنشئ سلامًا بين الدولتين، ولم تحسم القضايا السياسية بينهما، إذ نصت صراحة على أن أحكامها عسكرية بطبيعتها ولا تمس حقوق أي طرف أو مطالبه في التسوية النهائية. وفي المقابل، أقامت هدنة عامة برًا وبحرًا وجوًا، ومنعت القوات النظامية وغير النظامية التابعة لكل طرف من تنفيذ أعمال عدائية ضد الطرف الآخر أو عبور خط الهدنة أو مجاله الجوي ومياهه.
الفارق الأساسي أن خط الهدنة بين لبنان وإسرائيل لم يُرسم كحد سياسي جديد، وإنما جعلته الاتفاقية مطابقًا للحدود الدولية القائمة بين لبنان وفلسطين. كما أنشأت لجنة هدنة مشتركة تضم ممثلين للطرفين برئاسة مسؤول من هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة، تتلقى الشكاوى وتحقق فيها وتراقب التنفيذ. بهذا المعنى، وفرت اتفاقية 1949 معادلة بسيطة: لا سلام ولا تطبيع، وإنما وقف للأعمال العدائية، مع حدود معترف بها وآلية لمراقبة الخروق.
نص الاتفاق أيضًا على بقائه حتى التوصل إلى تسوية سلمية بين الفريقين، مع آليات لمراجعته أو تعليق أجزاء منه. واصل لبنان التمسك به، كما أعاد القرار 1701 تأكيد سلامة أراضي لبنان وسيادته داخل حدوده المعترف بها دوليًا كما تناولتها اتفاقية الهدنة لعام 1949. غير أن وجود المرجعية شيء، وفاعلية آلياتها شيء آخر، بعدما تعطلت لجنة الهدنة عمليًا وتوالت الحروب والخروق.
ماذا أضاف اتفاق الإطار؟
خلافًا لاتفاقية 1949، يبدأ اتفاق الإطار من نقطة مختلفة. فالوثيقة التي أصدرتها الخارجية الأميركية تؤكد حق لبنان وإسرائيل في الوجود بسلام ورغبتهما في العيش بأمن كدولتين متجاورتين تتمتعان بالسيادة، ويضع المفاوضات المباشرة في مسار نحو حل شامل للقضايا بينهما. بهذا المعنى، لا يريد الاتفاق إعادة تشغيل هدنة فقط، وإنما الانتقال في النهاية إلى إنهاء حالة النزاع بالمطلق.
على الأرض، يربط الإطار تقدم الانسحاب الإسرائيلي باستعادة الدولة اللبنانية سلطتها ونزع السلاح "المتحقق منه" للجماعات غير الحكومية. وبدأ التطبيق بفكرة "المناطق التجريبية"، حيث تنسحب القوات الإسرائيلية من نطاق محدد، ينتشر فيه الجيش ويباشر إزالة البنى المسلحة، قبل توسيع النموذج إلى مناطق أخرى. كما أنشأ الاتفاق آلية تنسيق بمشاركة أميركية، فيما استمرت المفاوضات بشأن وسائل التحقق من عمليات الجيش.
هنا تقع نقطة الاعتراض الأساسية. ففي هدنة 1949، يقع على كل دولة منع القوات التابعة لها، بما فيها غير النظامية، من شن أعمال عدائية عبر الحدود. أما إطار 2026 فيحوّل حصرية السلاح داخل لبنان إلى جزء تفصيلي من آلية التنفيذ، ويربط بها إعادة الانتشار الإسرائيلي. الفارق ليس وجود سؤال السلاح أو غيابه، وإنما موقعه داخل الصفقة وتوقيت الانسحاب في مقابله.
مرجعيتان لا تقومان بالمهمة نفسها
لهذا السبب، لا تكفي المقارنة بين الاتفاقين على قاعدة أن أحدهما قديم والآخر جديد. هدنة 1949 صُممت لإدارة النزاع بين جيشين ومنع استخدام القوة عبر الحدود إلى حين الوصول إلى تسوية سياسية. أما إطار 2026 فيدخل إلى بنية الأمن داخل لبنان نفسه، ويجعل حصرية السلاح وانتشار الجيش ونزع سلاح الجماعات المسلحة عناصر مرتبطة مباشرة بمراحل الانسحاب الإسرائيلي، ثم يفتح الطريق أمام إنهاء حالة الحرب.
المفارقة أن المرجعيتين تتقاطعان في بعض الأهداف من دون أن تكون إحداهما نسخة عن الأخرى. اتفاقية 1949 تمنع القوات غير النظامية أيضًا من شن أعمال عدائية انطلاقًا من أراضي أحد الفريقين، فيما يطالب القرار 1701 بحصر السلاح بسلطة الدولة. لذلك، فإن العودة إلى 1949 لا تلغي تلقائيًا سؤال سلاح حزب الله، لكنها تفصل بين هذا السؤال وبين بقاء الاحتلال الإسرائيلي: إسرائيل مطالبة، وفق منطق الهدنة، باحترام الحدود ووقف الأعمال العدائية بصرف النظر عن تسوية كل الملفات الداخلية اللبنانية.
من هنا، فإن المقارنة بين "الهدنة" و"الإطار" تصبح مُضلِّلة عندما تقدم كخيار بين السيادة وحصرية السلاح. الاثنان يتعاملان معهما بطرق مختلفة، والقرار 1701 نفسه يقف بين المرحلتين: يتمسك بالحدود والسيادة ووقف الأعمال العدائية، ويطلب في الوقت نفسه حصر القوة المسلحة بسلطة الدولة.
الخلاف على المرجعية أم على اليوم التالي؟
بهذا المعنى، تكشف استعادة اتفاقية 1949 مشكلة أعمق من الاعتراض على تفاصيل اتفاق 26 حزيران. في منطق المؤيدين لاتفاق الإطار، لا تكفي العودة إلى هدنة تاريخية لم تمنع الحروب اللاحقة لمعالجة واقع نشأ خلال عقود، وهم يعتبرون أن استعادة السيادة وحصرية السلاح والانسحاب تحتاج إلى آليات جديدة قابلة للتنفيذ والتحقق.
في المقابل، يتيح التمسك بالهدنة للمعترضين القول إن لبنان كان يمتلك أصلًا مرجعية دولية تثبت حدوده وتلزم إسرائيل بعدم استخدام القوة، وإن الانتقال منها إلى صيغة تجعل الانسحاب مرتبطًا بتغيير الواقع العسكري داخل لبنان نقل قسمًا أساسيًا من شروط إنهاء الاحتلال إلى الجانب اللبناني.
هنا يصبح السؤال داخليًا بقدر ما هو لبناني–إسرائيلي. فالمادة 52 من الدستور تحدد أصول التفاوض في المعاهدات والتصديق عليها ومتى تحتاج إلى موافقة مجلس النواب، فيما تعد قضايا الحرب والسلام والاتفاقات الدولية من المسائل الأساسية في مجلس الوزراء التي تحتاج إلى موافقة ثلثي عدد أعضائه المحدد في مرسوم تشكيل الحكومة. القضية إذًا ليست تفضيل وثيقة قديمة على أخرى جديدة، وإنما تحديد السقف السياسي الذي يفاوض لبنان تحته: وقف الحرب أم الانتقال إلى سلام.
ربما لهذا السبب لا يدور الخلاف اللبناني الحالي على الماضي وحده. فهدنة 1949 لم تختف من المرجعيات التي يستند إليها لبنان، واتفاق 2026 لم ينجح حتى الآن في تحويل كل التزاماته إلى وقائع. بين الاثنين، يبقى السؤال الحقيقي: هل يبحث لبنان عن صيغة تمنع حربًا جديدة، أم أن الدولة حسمت أنها تريد الانتقال من إدارة العداء إلى إنهائه، وهل يملك هذا الخيار توافقًا داخليًا قادرًا على حمله؟
المصدر:
النشرة