آخر الأخبار

من أنصار إلى دير الزهراني: رسائل إسرائيلية لحزب الله ولبنان وواشنطن

شارك

حمَلت الغارات ال إسرائيل ية على أنصار و دير الزهراني ، في توقيتها ومكانها وحجمها، مجموعة رسائل سياسية وأمنية. فالهجوم الذي أوقع 11 شهيدًا و19 جريحًا، بينهم أطفال ونساء، شكّل التصعيد الأكثر دموية منذ تثبيت وقف إطلاق النار في 20 حزيران. كما أن استهداف منطقتين تقعان في عمق الجنوب، وليس فقط في الشريط الحدودي، أعاد طرح السؤال حول طبيعة القواعد التي تريد إسرائيل فرضها في المرحلة المقبلة.

الرسالة الأولى تتعلق بالجغرافيا، فإسرائيل تريد أن تقول إن قدرتها على العمل العسكري لا تزال تمتد إلى ما وراء المنطقة المسماة بالمنطقة الصفراء، وإن اتفاق وقف إطلاق النار أو المسار التفاوضي لا يعنيان، من وجهة نظرها، وجود مناطق محصنة أمام سلاح الجو الإسرائيلي. اختيار أنصار ودير الزهراني تحديدًا، إلى جانب الضربات على محيط النبطية ومرتفعات علي الطاهر ، يعطي التصعيد بعدًا مختلفًا عن نمط الضربات المحدودة التي سادت خلال المرحلة السابقة. فالمسألة هنا هي محاولة لتثبيت معادلة مفادها أن إسرائيل تحتفظ لنفسها بهامش واسع من الحركة داخل الأراضي ال لبنان ية، متى رأت أن هناك تهديدًا لأمنها أو تعرضت لأي عمل دفاعي من المقاومة.

والرسالة الثانية موجهة إلى حزب الله . إسرائيل تقول عمليًا إن أي محاولة لإعادة بناء القدرات العسكرية أو تنفيذ عمليات ضد قواتها، ستُقابل برد لا يقتصر على الموقع الذي يأتي منه الهجوم، بل يمكن أن يصل إلى بيئة أوسع وأعمق. وقد ربط الجيش الإسرائيلي غاراته بالهجوم الذي قال إنه أدى إلى إصابة ثلاثة من جنوده، كما أعلن استهداف قيادي في حزب الله في دير الزهراني. وبغض النظر عن الرواية المتبادلة حول تفاصيل ما جرى في مرتفعات علي الطاهر، فإن المعادلة التي تحاول إسرائيل تثبيتها واضحة، وهي أن أي عودة إلى العمل العسكري من جانب حزب الله ستُقابل برفع مستوى الكلفة، جغرافيًا وبشريًا وميدانيًا.

إسرائيل، في المقابل، تبدو وكأنها تستخدم التصعيد العسكري لتحسين موقعها التفاوضي قبل الانتقال إلى مراحل أكثر حساسية. فهي لا تريد أن تدخل في تفاوض مع لبنان من موقع يفرض عليها التزامات ميدانية واضحة، فيما تبقى مسألة سلاح حزب الله وقدراته العسكرية موضع خلاف أساسي. لذلك فإن الضغط بالنار يمكن أن يكون وسيلة لإعادة ترتيب الأولويات على طاولة التفاوض. فقبل الحديث عن الانسحاب الإسرائيلي أو توسيع الترتيبات الميدانية، تريد تل أبيب ضمانات أكبر بشأن منع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله، وفرض آليات رقابة وتنفيذ أكثر صرامة.

وهنا تكتسب الضربة على أنصار أهمية خاصة. فالبلدة ليست على الخط الحدودي، واستهداف منزل أدى إلى استشهاد عائلة كاملة، جعل العملية تتجاوز في تأثيرها الحساب العسكري المباشر إلى مستوى الضغط على البيئة الجنوبية برمتها. وبذلك يصبح المدنيون ، وإن لم يكونوا الهدف المعلن للعملية، جزءًا من كلفة التصعيد التي تشعر بها المنطقة، وهو ما يفسر حركة النزوح التي أعقبت الغارات، والقلق الذي عاد إلى بلدات الجنوب والنبطية.

ومن زاوية أخرى، تريد إسرائيل اختبار رد الفعل اللبناني والدولي. فهي تدرك أن الفارق بين عملية محدودة وضربة واسعة ليس عسكريًا فقط، بل سياسي أيضًا. فإذا مرّ التصعيد من دون رد فعل دولي قادر على فرض قيود جديدة، تصبح لدى إسرائيل سابقة تسمح لها بتكرار النموذج. أما إذا أدى إلى ضغط أميركي أو دولي فعلي، فقد تضطر إلى إعادة ضبط مستوى عملياتها. ولذلك فإن الموقف الأميركي يصبح عنصرًا أساسيًا في قراءة المرحلة، ويبدو أن أميركا أبدت تفهمًا للعمل الإسرائيلي، وهذا يعني أن احتمالية تكراره موجودة.

برأي مصادر متابعة، هناك فارق بين رفع مستوى الضغط وبين اتخاذ قرار بالانزلاق إلى مواجهة موسعة، وما تقوم به إسرائيل حتى الآن يمكن قراءته باعتباره محاولة لتثبيت قواعد جديدة قبل الانتقال إلى خطة عمل موسعة. لكن خطورة هذا النموذج تكمن في أن التصعيد نفسه قد يتحول إلى مسار أوسع إذا قرر حزب الله الرد، بعد أن أعلن الحزب أن العدوان سيقابل بما يناسبه.

وفي هذا السياق، لا يمكن إسرائيليًا فصل ما يجري في أنصار ودير الزهراني عن ملف سلاح حزب الله. فإسرائيل تريد ربط كل تقدم سياسي في لبنان بمسألة القدرة العسكرية للحزب، فيما يحاول لبنان الرسمي فصل مسار التفاوض حول الحدود والانسحاب ووقف الاعتداءات عن فرض نتائج سياسية بالقوة. لذلك فإن المشكلة بالنسبة إلى لبنان هي أن استمرار هذا النمط من التصعيد يضع الدولة أمام معادلة صعبة ومعقدة ومحرجة، فهي مطالبة من جهة بتوسيع حضور الجيش وفرض سلطتها، لكنها من جهة أخرى تواجه اعتداءات إسرائيلية تقول إنها تستهدف بنى عسكرية مرتبطة بحزب الله.

لذلك، فإن الرسالة الإسرائيلية من أنصار ودير الزهراني ليست رسالة واحدة، إنها في آن واحد رسالة لحزب الله، ورسالة للدولة اللبنانية، ورسالة تفاوض إلى واشنطن في صراعها مع إيران، ورسالة إلى البيئة الجنوبية بأن قواعد ما بعد وقف إطلاق النار لم تُحسم بعد. وبالتالي، تريد إسرائيل أن تدخل المرحلة المقبلة وهي تحتفظ بحرية العمل العسكري، بينما يريد لبنان تحويل التفاهمات القائمة إلى مسار يؤدي إلى وقف الاعتداءات والانسحاب وتثبيت سلطة الدولة.

لهذا تبدو أنصار ودير الزهراني بمثابة اختبار لكثير من الأطراف. وإذا لم تنجح الوساطة الأميركية والضغوط الدولية في إعادة ضبط المشهد، فقد تتحول الضربات إلى شبه يومية، بما يجعل أي حادث أمني جديد قادرًا على إعادة فتح الباب أمام مواجهة أوسع.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا