في الوقت الذي تسير فيه الحرب في المنطقة على قدم وساق، وتتبدل التحالفات والتوازنات بسرعة غير مسبوقة، يزداد الانقسام في الداخل اللبناني، وتبدأ معه ملامح مرحلة مختلفة بالظهور. المسألة لم تعد مرتبطة فقط بأزمة سياسية أو خلاف بين القوى التقليدية، بل يبدو أن بذور سقوط النظام السياسي اللبناني بصيغته الحالية بدأت تظهر بشكل جدي، وأن النموذج الذي عرفه اللبنانيون طوال العقود الماضية قد يكون أمام تحولات عميقة. وما يزيد من أهمية هذه التحولات أنها تحصل في لحظة إقليمية استثنائية، لا تزال نتائجها النهائية غير واضحة، وقد تعيد رسم شكل النفوذ والأدوار في أكثر من دولة في المنطقة.
النظام اللبناني، رغم خصوصيته الداخلية وتركيبته الطائفية المعقدة، لم يكن يوماً نتاج توازنات محلية فقط. لطالما كان انعكاساً مباشراً للتوازنات الإقليمية والدولية، وتحديداً للتفاهمات والصراعات التي كانت
سوريا والمملكة
العربية السعودية في قلبها. ومنذ اتفاق
الطائف ، لعب البلدان دوراً أساسياً في إدارة التوازن اللبناني، سواء من خلال النفوذ المباشر أو عبر شبكة واسعة من الحلفاء والعلاقات السياسية. اليوم، تغير هذا الواقع بصورة جذرية. فجزء أساسي من قواعد اللعبة التي حكمت الحياة السياسية
اللبنانية لعقود لم يعد قائماً، فيما لم تتبلور حتى الآن قواعد بديلة واضحة يمكن أن تحل مكانه.
النظام السوري السابق سقط إلى غير رجعة، ومعه انتهى عملياً أحد الأعمدة الإقليمية التي ساهمت في صناعة النظام اللبناني بعد الحرب الأهلية. وفي المقابل، لم تعد
المملكة العربية السعودية تتعامل مع
لبنان بالطريقة نفسها التي كانت تعتمدها قبل سنوات. القيادة
السعودية الحالية لديها مقاربة مختلفة للمنطقة، ولعلاقتها بالقوى السياسية اللبنانية، ولا تبدو معنية بإعادة إنتاج المعادلات القديمة بالشروط والأساليب نفسها. وهذا يعني أن القوى اللبنانية التي اعتادت طوال سنوات بناء حساباتها على شبكة العلاقات الإقليمية التقليدية باتت مضطرة اليوم إلى إعادة قراءة موقعها ودورها في مرحلة مختلفة تماماً.
هذا التحول يعني أن الأسس الإقليمية التي استند إليها النظام اللبناني لعقود لم تعد موجودة بالشكل الذي عرفناه. ومع أي تسوية إقليمية مقبلة، سواء جاءت بعد انتهاء الحرب الحالية أو نتيجة تفاهمات أوسع بين القوى الكبرى في المنطقة، سيكون لبنان أمام توازنات جديدة ستفرض نفسها حكماً على الداخل. وقد لا تقتصر انعكاسات هذه التوازنات على التحالفات السياسية والانتخابية، بل يمكن أن تصل تدريجياً إلى
النقاش حول شكل السلطة وطريقة توزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
في الداخل أيضاً، تتغير الصورة تدريجياً. الزعماء الذين أمسكوا بالحياة السياسية اللبنانية بقبضة من حديد طوال عقود يتراجع حضورهم الواحد تلو الآخر. بعضهم أصبح خارج المشهد السياسي بالكامل، وبعضهم الآخر تراجع نفوذه، فيما يواجه آخرون تحديات جدية في الحفاظ على الإرث السياسي والشعبي الذي بنوه خلال السنوات الماضية. وفي الوقت نفسه، تبدو البيئة الشعبية نفسها أقل ثباتاً مما كانت عليه سابقاً، بعدما أحدث الانهيار الاقتصادي والحرب والهجرة والأزمات المتلاحقة تغييرات عميقة في أولويات شرائح واسعة من اللبنانيين.
وهنا تحديداً تبدأ المشكلة بالنسبة إلى النظام القديم: ليس هناك ما يضمن أن تنتقل الزعامة تلقائياً إلى الورثة، خصوصاً إذا كانت المرحلة المقبلة ستفرض على
القوى السياسية تقديم إجابات مختلفة عن تلك التي كانت كافية في العقود الماضية.
المرحلة المقبلة قد لا تكون مرحلة أبناء الزعماء وأحفادهم بالضرورة، لأن التغيرات التي أصابت المجتمع اللبناني والمنطقة أكبر من أن يتم احتواؤها بعملية توريث تقليدية. قد تظهر قيادات جديدة تستمد شرعيتها من سرديات مختلفة كلياً فرضتها الحرب والانهيار الاقتصادي والتحولات الاجتماعية والصراع حول مستقبل الدولة. وقد يكون الصراع الحقيقي عندها بين قوى تحاول الحفاظ على ما تبقى من النظام القديم، وأخرى تسعى إلى الاستفادة من اللحظة الإقليمية والداخلية لفرض قواعد سياسية جديدة.
وهذا لا يعني بالضرورة أن النظام سيسقط بين ليلة وضحاها، أو أن لبنان سيتحول سريعاً إلى نظام سياسي مختلف بالكامل. الأنظمة المعقدة لا تنهار بهذه البساطة، خصوصاً عندما تكون مرتبطة بمصالح طائفية واقتصادية عميقة. لكن ما يبدو أكثر احتمالاً هو أننا أمام نهاية تدريجية لمرحلة سياسية كاملة. وقد تبدأ هذه النهاية بتغير موازين القوى والأسماء والتحالفات قبل أن تصل، في مرحلة لاحقة، إلى تغيير أعمق في بنية النظام نفسه دستوريا.
لبنان الذي سيخرج من الحرب والتحولات الإقليمية لن يكون بالضرورة لبنان الذي دخل إليها. والسؤال لم يعد فقط عمّن سيربح أو يخسر داخل النظام الحالي، بل ما إذا كان هذا النظام نفسه، بصيغته وتوازناته وقواعده التقليدية، قادراً على البقاء بعد كل ما تغير من حوله.