آخر الأخبار

من أنفاق منظمة التحرير إلى أنفاق "الحزب": التاريخ نفسه يتكرّر تحت الأرض

شارك
في السابع من تشرين الأول 1982، بعد أسابيع قليلة من خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، اكتشف الجيش اللبناني شبكة أنفاق خرسانية ممتدة تحت العاصمة، أحدها وحده يمتد ميلين كاملين، تربط معاقل المنظمة في المدينة بمخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة جنوب بيروت. "لا نعرف كم ميلًا من هذه الأنفاق موجود، لا خرائط لدينا، وربما فيها فخاخ، فمن يدري؟"، قال ضابط لبناني يومها. وجد الجيش فيها صواريخ "غراد" سوفياتية، وقذائف هاون وهاوتزر أميركية، وذخائر كورية شمالية، مكدّسة في ممرات بعضها لا يتجاوز ارتفاعه مترًا، وبعضها الآخر يتسع لثماني شاحنات صغيرة. دولة كاملة تحت الأرض، بناها فصيل مسلّح غير لبناني، بلا إذن من الدولة اللبنانية ولا علم منها.

لم تكن تلك الأنفاق حادثًا عابرًا، بل الترجمة الحرفية لمعادلة حكمت لبنان منذ اتفاق القاهرة 1969: دولة تتنازل عن حقها الحصري في السلاح والقرار، فيتحول جزء من أرضها إلى قاعدة عسكرية لقضية ليست قضيتها وحدها، من دون أن يُستشار سكانها أو تُرسم لهم حدود لما يجري تحت بيوتهم. وحين عجز الجيش اللبناني، المشلول بتوازنات الطوائف وتوافقات السلطة، عن حماية القرى والأحياء المجاورة لهذا الوجود المسلح، لم يبقَ أمام اللبناني، وفي طليعته المسيحي الذي وجد نفسه في قلب المواجهة، سوى خيار واحد: أن يحمل سلاحه بنفسه. لم يكن ذلك اختيارًا أيديولوجيًا بقدر ما كان دفاعًا عن النفس في غياب من يُفترض أن يدافع عنه.

بعد أكثر من أربعة عقود، يعيد التاريخ كتابة المشهد نفسه بحبر مختلف. لم تعد الأنفاق تختبئ تحت مخيمات لاجئين تترقب غارة إسرائيلية، بل باتت تمتد، بحسب تقارير ودراسات عديدة صدرت مؤخرا اكدت وجود انفاق ممتدة تحت قرى الجنوب وبيوت اللبنانيين المسالمين، بطول يُقدَّر بخمسة وأربعين كيلومترًا في الجنوب وحده، تربط الضاحية بالبقاع بالجنوب في منظومة واحدة، بكلفة تُقدَّر بمليارات الدولارات أشرفت عليها إيران بالكامل، ونفّذتها "جهاد البناء" بواسطة شركات هندسية مدنية واجهتها لبنانية وقرارها إيراني. لبنانيون كثر يسكنون اليوم فوق غرف عمليات ومستودعات صواريخ ومنصات إطلاق لم يوافقوا عليها، ولم يُستشاروا فيها، ولا يعرفون حتى حدودها الحقيقية. والفارق الوحيد أن المسالم هذه المرة لا يُطلب منه أن يتسلّح دفاعًا عن نفسه، بل يُطلب منه أن يسكت ويعيش فوق سلاح لا يملكه ولم يخترْه ولا رأي له فيه.

الفارق بين النفقين إذًا ليس في الجغرافيا ولا حتى في الحجم، بل في العنوان فقط. الأمس "منظمة تحرير"، واليوم "حزب الله". الأمس سلاح فلسطيني بذريعة القضية، واليوم سلاح الميليشيا الإيرانية بذريعة المقاومة. الأمس دولة موازية تحت صبرا وشاتيلا، واليوم دولة موازية تحت كل قرية جنوبية وبقاعية وضاحية بيروتية. وفي الحالتين، القاسم المشترك واحد لا يتبدّل: غياب الدولة اللبنانية عن احتكار قرارها وأرضها وسلاحها. وهو غياب لم يُفرض على لبنان من الخارج وحده، بل سمحت به أيضًا منظومة سياسية داخلية آثرت "التفاهم" مع السلاح الموازي على مواجهته، ومنحته غطاء محليًا لم يكن ليحصل عليه لولا ذلك.

التاريخ لا يكرر نفسه، بل أسباب اللا دولة أحدًا لا يريد أن يوقفها. فمن حفر نفقه الأول تحت أقدام اللاجئين لم يُخرجه من بيروت بيان لبناني رسمي، بل حصار وحرب وقرار دولي جدّي بإنهاء وجوده المسلح. بيان لا يهدم نفقًا، وتنديد لا يستعيد قرارا مصادرا ولن يُخرج أحدًا من تحت الأرض. فإن كان لبنان جادا هذه المرة، فعليه أن يكفّ عن الكلام وأن يبدأ اليوم لا غدًا: جيش واحد يبسط سلطته فعلًا لا شكلًا على كل شبر لبناني، وقرار سياسي يحاسب من يرفض تسليم سلاحه بدل أن يهادنه، لا مزيد من المهل. فإما دولة تحفر أساساتها فوق الأرض بيدها، أو نفق ثالث ينتظر جيلاً لبنانيًا آخر لم يولد بعد.
MTV المصدر: MTV
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا