آخر الأخبار

لا حرب ولا سلم… الجنوب يدفع ثمن الوقت الضائع

شارك
منذ أشهر، يعيش الجنوب في مساحة رمادية بين تراجع حدة المواجهة واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية ، في ظل بقاء أجزاء من الأراضي اللبنانية تحت الاحتلال ، وعدم تمكن عدد من الأهالي من العودة إلى قراهم واستئناف حياتهم بصورة طبيعية. وبين مسار تفاوضي لم ينجح حتى الآن في إنتاج تسوية، وضغوط دولية لا تزال عاجزة عن فرض انسحاب إسرائيلي كامل، بات الوقت نفسه جزءاً من الأزمة، وربما أحد أخطر عناصرها.

ومع إطالة أمد هذا الواقع، لم تعد المشكلة محصورة في تعثر جولة تفاوضية أو تأخر انعقاد جولة جديدة. فالمسار الذي كان يفترض أن يقود تدريجياً إلى تثبيت وقف إطلاق النار ومعالجة النقاط العالقة، لم يحقق حتى الآن تحولاً ميدانياً يوازي حجم التنازلات والالتزامات المطلوبة من لبنان ، وهو ما يضع المسار برمته أمام معادلة غير متوازنة تستفيد منها إسرائيل ، التي لا تبدو مستعجلة للخروج من الوضع القائم، فيما يجد لبنان نفسه أمام واقع يستنزفه من دون أن يمنحه في المقابل أفقاً واضحاً للخروج منه.

وهنا تحديداً تكمن خطورة عامل الوقت، إذ إن استمرار الوضع على حاله لا يعني تجميد الأزمة، بل يسمح بتكريس وقائع جديدة، خصوصاً أن كل تأخير في الانسحاب الإسرائيلي يطيل بقاء الوضع الميداني على ما هو عليه ويؤخر إعادة الإعمار ، فيما تتحول الإجراءات الإسرائيلية التي يفترض أن تكون استثنائية ومؤقتة، مع مرور الوقت، إلى واقع قائم يصعب تجاوزه.

وفي ظل هذه المعادلة، لا تبدو إسرائيل الطرف الأكثر تضرراً من استمرار الوضع القائم، إذ تحتفظ بهامش واسع للحركة العسكرية وتواصل الضغط الميداني، بالتوازي مع ربط أي تقدم سياسي بشروط أمنية وسياسية إضافية، ما يمنحها القدرة على إدارة المرحلة وفق حساباتها، فيما يتحمل لبنان الكلفة الأكبر من بقاء الملفات الأساسية معلقة من دون حسم.

وفي هذا السياق، تواجه المفاوضات التي كان يفترض أن تشكّل مدخلاً لإنهاء هذا الواقع مأزقاً أساسياً يتعلق بما يستطيع لبنان تحصيله فعلياً من استمرارها، بعدما بقي التقدم السياسي منفصلاً إلى حد كبير عن أي تبدل ملموس على الأرض. وهو ما يطرح تساؤلات حول جدوى الاستمرار بالمسار بالشروط نفسها، ويفتح الباب أمام إعادة النظر في طريقة التعاطي معه قبل الانتقال إلى جولة تفاوضية جديدة.

ومن هنا، يمكن قراءة موقف الوفد اللبناني المفاوض بعدم الاندفاع نحو جولة جديدة قبل حصول تقدم إسرائيلي على الأرض، باعتباره محاولة لإعادة النظر في طريقة إدارة هذا المسار. فالمشكلة ليست في مبدأ التفاوض، بل في تحوله إلى مسار مفتوح بلا نتائج، فيما يبقى الطرف الآخر قادراً على تغيير الوقائع الميدانية وفرض شروط إضافية. وإذا كان لبنان يريد استخدام موقفه الحالي كورقة ضغط، فإن الاختبار الأهم لا يكمن في تأجيل جولة أو تعليق المشاركة فيها، بل في القدرة على تثبيت معادلة واضحة تقوم على عدم مطالبة الدولة بخطوات متتالية، فيما تبقى الالتزامات المقابلة معلقة.

وعلى أهمية الضغط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها، تبقى السلطة اللبنانية مطالبة بالإجابة عن سؤال داخلي لا يقل أهمية يتعلق بخطتها في حال طال أمد الوضع القائم. فربط مصير الجنوب بما قد تنتجه الجولة التفاوضية المقبلة أو المبادرة الدولية التالية لا يمكن أن يشكل سياسة بحد ذاته، خصوصاً في ظل غياب سقف زمني واضح لهذا المسار. ومن هنا، تصبح الحاجة إلى مقاربة لبنانية متكاملة أكثر إلحاحاً، لا تكتفي بانتظار ما ستفرضه المفاوضات، بل تحدد كيفية التعامل سياسياً وميدانياً مع استمرار المراوحة وغياب أي أفق واضح للحسم.

والأخطر من ذلك هو أن يتحول هذا الواقع مع مرور الوقت إلى الصيغة المقبولة دولياً لإدارة جنوب لبنان ، بحيث يبقى مستوى التصعيد مضبوطاً من دون الوصول إلى حرب كبرى، فيما تستمر إسرائيل باعتداءاتها ووجودها في نقاط داخل الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع مسار تفاوضي يتقدم حيناً ويتعثر حيناً آخر من دون الوصول إلى تسوية نهائية، بما يكرّس حالة المراوحة ويجعل استمرارها بديلاً عملياً عن الوصول إلى حل.

وفي المنطقة الممتدة بين الحرب والسلام، يمكن للأزمات أن تستمر طويلاً، ويمكن للوقائع المؤقتة أن تتحول تدريجياً إلى حقائق ثابتة، ما يضع " حزب الله " بدوره أمام سؤال لا يمكن أن يبقى مؤجلاًحول كيفية التعامل مع استمرار هذا الواقع. فالمراوحة الحالية تفرض البحث في الخيارات المتاحة إذا بقي الانسحاب الإسرائيلي معلقاً واستمرت الاعتداءات من دون أن ينجح المسار التفاوضي في فرض تغيير فعلي على الأرض، وما إذا كان "الحزب" سيتجه إلى إبقاء موقفه الحالي بانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات، أم أنه يعوّل على تحولات إقليمية أوسع، وفي مقدمتها مسار التفاوض الأميركي ـ الإيراني ، لإعادة رسم المشهد في لبنان والمنطقة. وفي الحالتين، يبقى الجنوب أمام مرحلة مفتوحة، فيما لم تتّضح بعد حدود الانتظار ولا ما يمكن أن يليها إذا بقيت التسوية بعيدة.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا