هل يُدفن تاريخ لبنان؟

شارك

عامر خضر آغا

خاص موقع Mtv
بعد موافقة مجلس الوزراء على مشروع مرسوم المناهج التربوية الجديدة، برز إلى الواجهة أحد أكثر بنود هذا الإصلاح إثارةً للجدل: تقليص حصص مادة التاريخ ودمجها ضمن مقاربة جديدة تربطها بالتربية الوطنية والعلوم الاجتماعية، بعيدًا عن السرد التاريخي التقليدي. فهل تكفي هذه الإجراءات وحدها لدمج التاريخ في مسار وطني معاصر؟

لا تبدأ إشكالية التاريخ في لبنان بالمنهج التربوي، بقدر ما تبدأ من مدى قدرة أي طرف على الاقتراب من حقيقةٍ حدثت، يمكن لجميع الأطراف أن تلتقي حولها بروح من النقد البنّاء والمراجعة الوطنية. إلا أن أزمة لبنان تسبق ذلك بقرون. فالكيان اللبناني قام، منذ صيغته الأولى، على توافقات هشّة فُرضت في لحظات ضعف أكثر مما وُلدت من إرادة جماعية ناضجة؛ من “لبنان الكبير” وصولًا إلى اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب من دون أن يؤسس لمصالحة فعلية أو لعقد اجتماعي دائم.
واعتبر الدكتور في علم التربية والمواطنة علي خليفة، في حديث إلى موقع MTV، أنه “يجب إبقاء مادة التاريخ بحد ذاتها، ولكن مع اعتماد مقاربات التعلّم النشط، أي عدم تكريس فرضية واحدة ومعلومات محددة فقط، بل العمل وفق مستندات متعددة ومصادر مختلفة، وعرض وجهات النظر المتصارعة في مختلف الحقبات، لتعزيز الحس النقدي والمهارات التحليلية، وهو ما يصلح لمجتمعات متعددة مثل لبنان”.
وأوضح أن “كل ذلك ترفضه المدارس الموجّهة أيديولوجيًا في لبنان، التي لا تريد للتاريخ أن يكذّب إيمانها بروايات تاريخية معاصرة، وهي التي كان لها دور مهم في اللجان التي صاغت المناهج التربوية على قاعدة المحاصصة”.
ومنذ الغزوات التي تعاقبت على لبنان، والجماعات التي استوطنت أرضه لم تتفق يومًا على رواية تأسيسية واحدة. فكل احتلال، وكل انتداب، وكل “اتفاق” فُرض من الخارج أو نتج عن موازين قوى داخلية آنية، كرّس شرخًا جديدًا بدلًا من أن يرمّمه. أما الأحزاب اليوم، المتشبثة بمنطلقاتها الأيديولوجية والطائفية والعقائدية، فليست مستعدة للتنازل عن هذه الروايات المتضاربة، لأنها ببساطة تشكّل الأساس الذي تقوم عليه شرعيتها وامتيازاتها.
وفي هذا السياق، أشار خليفة إلى أن “عملية دمج التاريخ بالعلوم الاجتماعية تحصل في الدول التي تكون مستقرة على مستوى الهوية الوطنية والاندماج، أو العكس تمامًا، عندما تكون مجتمعات هجرة، وبالتالي لا تريد طرح مواضيع حساسة في التاريخ. ومقاربة وزارة التربية، وإن كانت هناك حاجة تربوية إلى أن تكون الكفايات عابرةً للمواد الدراسية، فإن هذا الدمج في الوضع اللبناني سيؤدي إلى تمييع عناصر الهوية الوطنية”.
ولفت إلى أن “المدارس العقائدية ستستفيد من هذا الأمر، وأبرزها تلك التابعة لحزب الله، التي تربي طلابها على الولاء لخامنئي، فيما عناصر الثقافة فيها مختلفة جدًا عن بقية مكونات المجتمع اللبناني”.
فالتاريخ الذي لا يستطيع اللبنانيون تدريسه من دون خوف من الاصطفاف، سيبقى مادةً للانقسام، بدلًا من أن يكون أداةً لبناء المواطنة. والتاريخ الذي يُخشى من مراجعته سيظل أسير الروايات المتعارضة، بدل أن توضع هذه الروايات أمام النقد والمساءلة، من دون تحويلها إلى عقائد مقدّسة.

وربما لا تكون المشكلة في أن نختلف على قراءة تاريخ لبنان، بل في أن نعجز عن تعليم أبنائه كيف يختلفون حوله من دون أن يتحول الاختلاف إلى انقسام جديد.
MTV المصدر: MTV
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا