ثمة تخريجة لمأزق الطعن بقرار التمديد غير القانوني لمفتي الجمهورية، يجري العمل على إنضاجها في الكواليس. تخريجة تحمل في خلفيتها أسئلة سياسية تتجاوز معالجة قرار التمديد وإشكاليته، إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل المؤسسة الدينية، وتصل ربما إلى رسم طريق المفتي المقبل.
ترتكز التخريجة، بحسب المعلومات، على انتداب القاضي الشرعي عمر شبارو، وتعيينه في موقع أمين السرّ الخاص لدار الفتوى، وهو منصب يندرج ضمن وظائف الفئة الأولى، وبقي شاغرًا منذ عهد المفتي محمد رشيد قباني لأسباب ترتبط بتركيز السلطة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه: ما سرّ هذه الهندسة المعقّدة؟ هل الهدف هو الحؤول من دون تسنّم أمين الفتوى الشيخ أمين الكردي موقع القائم بأعمال مفتي الجمهورية؟
وفق ما صار معلومًا، ثمة "فيتو" كبير على اسم الكردي على خلفية ما يُنسب إليه من تأثّر بالمدرسة الفكرية لـ"الإخوان المسلمين"، وهذه المسألة تولّت بعض الأطراف تضخيمها أمام الفاعلين الخارجيين المعنيين بعملية اختيار مفتٍ جديد للجمهورية، لإفساح المجال أمام منافسين آخرين.
عمومًا، وبموجب التسوية، يُفترض أن يلتئم "المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى" لتصحيح الخطيئة التي ارتُكبت في عملية تمديد السن القانونية لمفتي الجمهورية، عبر التصويت على تمديد ولايته لمدة سنتين تبدأ من تاريخ التمديد الأول المطعون به، مقابل أن يقدّم استقالته. لكن هل نحن إزاء تسوية تنهي مأزقًا قانونيًا، أم عملية أوسع لإعادة إنتاج النفوذ السياسي من بوابة دار الفتوى؟
حسب المعلومات، حصلت هذه التسوية على بركة نادي رؤساء الحكومات السابقين، ولا سيما الرئيسين فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي، اللذين يلعبان دورًا محوريًا في حل معضلة دار الفتوى، لأسباب تتصل بإعادة إنتاج نفوذهما السياسي، مع بقاء بركة الرئيس سعد الحريري ركنًا ركينًا في أي صيغة تتصل بالمؤسسة الدينية.
بحسب القانون، يتولى أمين السر الخاص مقاليد الأمور الإدارية، فيما يشرف أمين الفتوى على الأمور الدينية حصرًا. وهذا ما يضفي أهمية على انتداب القاضي شبارو، لأنه يقود عمليًا إلى إعادة توزيع مفاصل السلطة داخل المؤسسة الدينية، بموازاة تقييد قدرات أمين الفتوى.
والانتداب نفسه يستلزم مسارًا قانونيًا وإداريًا متدرجًا. يبدأ من تقديم طلب إلى مجلس القضاء الأعلى للحصول على موافقته، ثم تحويله إلى رئاسة الحكومة، لكون الموقع يتبع إداريًا لها، ومنها إلى وزارة المالية. وهنا يبرز سؤال إجرائي: هل اجتماع مجلس القضاء الأعلى لاتخاذ قرار الانتداب؟ أم جرى الاعتماد على مرسوم جوال؟ أما السؤال الأهم: من هو مهندس هذه التخريجة المعقدة الذي لا يعلمه إلا أهل الخبرة والمراس؟
يحكى في الكواليس أن أمين عام مجلس الوزراء القاضي محمود مكية هو مهندس هذه التخريجة بحكم خبرته بالقوانين والإجراءات الإدارية، ولا سيما أن آلية انتداب شبارو تشبه إلى حدّ كبير آلية انتدابه إلى موقعه الحالي. زد عليها أن الاسم الذي وقع الاختيار عليه تربطه به صلة قرابة. في المقابل، ثمة من يهمس ببصمة للمفتي دريان لأن التعيين سيكون بالتكليف لا بالأصالة، ما يبقي إمكانية إلغاء التكليف قائمة. ليصبح السؤال هل سيمسك أمين السر الخاص فعلا بمقاليد الإدارة؟ أم أن المفتاح الأخير سيبقى في يد المفتي؟
وتزداد الأسئلة مع احتمال تكليف شبارو أيضًا بمديرية الأوقاف الإسلامية، بما يضع أمامه ملفات مالية حساسة، من بيع أراضي الوقف الذري إلى كيفية التصرّف بأسهم المتوفين بلا وارثين. فهل سيكون التكليف مدخلا فعليًا لفتح هذه الملفات؟ أم مجرد عنوان لاستيعاب الضغوط والقول إننا شرعنا في تنفيذ إصلاحات؟
بحسب المعلومات، فإن الرئيس السنيورة يعتبر هذه الهندسة جزءًا من إصلاحات تمهد طريق الشيخ أسامة حداد نحو سدة الإفتاء، فيما يذهب البعض إلى أن الغاية الأساسية منها توظيف أزمة التمديد لهندسة مرحلة ما بعد المفتي دريان.
بيد أن السؤال الأكثر أهمية: هل تعرّض رؤساء الحكومات السابقون للخديعة بهذه التخريجة؟ أم أنهم استطاعوا الإمساك بمفاتيح تسمية المفتي الجديد؟ من أهل الاختصاص من يعتبر هذه الهندسة خديعة، في ظل أن الأيسر هو استقالة السلف وانتخاب الخلف في الجلسة نفسها، وكفى الله المؤمنين شر القتال.