آخر الأخبار

خياران لا ثالث لهما لاسترداد الجنوب بحسب حزب الله

شارك

بغضّ النظر عن أسباب اندلاع الحرب في الجنوب اعتبارًا من 8 تشرين الأوّل من العام 2023، وما تلا ذلك من فترات هدوء وفترات تصعيد، يُوجد واقع لا يُمكن التهرّب منه ويتمثّل بسيطرة إسرائيل على نحو 60 قرية وبلدة حدودية، ما يعني عمليًا العودة إلى زمن ما قبل 25 أيّار 2000 أي إلى مرحلة احتلال قسم من الجنوب! فكيف السبيل للخروج من هذا المأزق، وما هي رؤية كلّ الجهات المعنيّة في هذا الصدد؟

يُكرّر مسؤولو " حزب الله " علنًا، من أعلى الهرم نزولًا، أنّ "مُذكّرة التفاهم" المُوقّعة بين واشنطن وطهران، وما سينتج منها لاحقًا من تسويات، ستقود في نهاية المطاف إلى طيّ صفحة الحرب في الجنوب بشكل نهائي، وانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من القرى والبلدات المُحتلّة. وبحسب هذه النظريّة إنّ الكباش الحالي بين إيران وأميركا، والذي يشهد مواجهات عسكرية حينًا وجولات تفاوض حينًا آخر، لن يستمرّ لفترة طويلة، وقد يستغرق بضعة أسابيع إضافية فقط، وربما بضعة أشهر كحدّ أقصى. ودائمًا بحسب النظريّة عينها، إنّ إيران مُصرّة على تضمين بند إنهاء الحرب على "الحزب" وانسحاب قوات الاحتلال من الجنوب، في أي تسوية مقبلة مع الولايات المتحدة الأميركية ، مهما طال الزمن. وباعتقاد المُراهنين على هذا المسار أنّ الإدارة الأميركية ستوافق في النهاية على المطلب الإيراني الذي يؤمّن مظلّة الحماية المطلوبة لصالح "الحزب"، وإسرائيل ستُضطرّ للرضوخ لهذا الشرط تحت وطأة الضُغوط التي ستُمارسها واشنطن عليها.

وفي كواليس مسؤولي "الحزب" أنّ فرص فشل الرهان المذكور أعلاه ضئيلة، وفي أسوأ الأحوال، في حال مواجهة أي عراقيل على مستوى الخيار السلمي لاستعادة الجنوب، الخطة "باء" جاهزة للتنفيذ، مهما كلّف الأمر! وفي هذا السياق، سنعود إلى مرحلة العمليات الأمنية الموضوعيّة واليوميّة، بغرض استنزاف وحدات الجيش الإسرائيلي إلى أقصى درجة. بمعنى آخر، ستتم العودة إلى تنفيذ مجموعة منوّعة من الهجمات والضربات المؤذية، لجهة القيام بتفجير عبوة ناسفة هنا، والإغارة بمسيرة انقضاضية هناك، وإطلاق صاروخ مُوجّه هنالك، مع الحرص على إيقاع أكبر عدد ممكن من الإصابات في صفوف قوات الاحتلال. وتوجد قناعة لدى "الحزب" أنّ إسرائيل غير قادرة على تحمّل كلفة أي هجمات جديدة عليها، وستكون مُجبرة على الانسحاب من المناطق التي تحتلّها، ربما باتفاق شكلي على غرار الاتفاق السابق الذي دخل حيّز التنفيذ في 27 نوفمبر 2024، ونصّ على انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان خلال مدة أقصاها 60 يومًا، أو حتى من دون أي اتفاق، كما حصل في 25 أيّار 2000!

لكن وفي حين يتحدّث "حزب الله" عن خيارين لا ثالث لهما لاسترداد الجنوب، تُوجد نظريات أخرى تدحض تمامًا هذا الرهان. فالإدارة الأميركية تريد تحقيق مكاسب في مقابل كل تنازل تُقدّمه، ولن توزّع الهدايا لصالح إيران و"حزب الله" على حساب حليفتها الأساسية في منطقة الشرق الأوسط. وإذا كان صحيحًا أن ممارسة واشنطن ضغطًا سياسيًا على تل أبيب لحملها على الانسحاب من المناطق التي تحتلها في كل من لبنان و سوريا و غزة هو خيار مطروح، فإنّ الأصحّ أنّ هذا الاحتمال غير مجّاني، وكلفته عالية، ولا يقلّ عن تسليم سلاح "الحزب" وتسليم سلاح "حماس" وتوقيع القيادة السورية اتفاق سلام مع إسرائيل. وإذا كان صحيحًا أنّ إيران عازمة على محاولة توفير مظلّة سياسية تحمي "الحزب" من مصير صعب، فإنّ الأصحّ أنّها لن تُقدّم تنازلات من كيسها – إذا جاز التعبير، لإنقاذ "رأس حربتها" في لبنان! بمعنى آخر، لن تُنقذ إيران "الحزب" في مقابل التنازل عن ملفّها النووي مثلًا، أو عن اليورانيوم المُخصّب، أو عن صواريخها الباليستية، أو عن أموالها المُجمّدة، إلخ.

أكثر من ذلك، إنّ تجربة الضغط الأميركي على إسرائيل ليست مضمونة النتائج، فبعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتفاقًا مع حماس لتسليم السلاح وإنهاء الحرب، يقضي في أحد بنوده على انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزّة، رفضت حكومة بنيامين نتنياهو التنفيذ، ولا شيء يمنع تكرار "السيناريو" نفسه في لبنان. وليس بسرّ أنّ إسرائيل تعمل جاهدة على الاحتفاظ بالمناطق العازلة في كلّ من لبنان وسوريا وغلاف غزة، بحجج أمنية. وإذا سلّمنا جدلًا أنّ واشنطن توافقت مع طهران على انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب، ما الذي ستحصل عليه إسرائيل في المقابل؟ وما هو حجم الضغط الأميركي الذي سيمارس على السلطة في لبنان لفرض السيطرة الأمنية على الجنوب وكامل الأراضي اللبنانية عبر وحدات الجيش بمساعدة من قوات دولية ربما، وهل حكومة لبنان قادرة على التنفيذ؟

وفي حال تعثّرت المفاوضات الإقليمية – الدولية، وفُقد الأمل من أي انسحاب إسرائيلي بشكل سلمي، من يَضمن أنّ عودة العمليات القتالية ذات الطابع الاستنزافي لن تتسبّب باندلاع حرب شاملة أخرى بين إسرائيل و"الحزب"، ومن يضمن ألا تكون نتائجها سلبية، كما حصل في الحربين الأخيرتين؟! وبحسب المعطيات الحالية، إنّ أيّ عودة لعمليات القتال، ستُعطي ذريعة لإسرائيل لإطلاق حرب تدمير جديدة على كامل مساحة الأراضي اللبنانية. وما نشهده من ضبط نسبي للنفس حاليًا، يعود في جزء منه للمفاوضات الأميركية – الإيرانية بالتأكيد، لكنّه يعود في جزء آخر منه إلى انتظار ما ستتخذه السلطة في لبنان من إجراءات لسحب سلاح مقاتلي "الحزب"، وما لم يحصل ذلك، كل الخيارات الأخرى ستعود إلى الطاولة من جديد!

في الخلاصة، الأكيد أن الهدوء الحالي النسبي زائف ومُضلّل، حيث أن لبنان ما زال في صميم المخاض الذي تشهده المنطقة برمّتها. وبالتالي، يُوجد خيط رفيع يفصل بين التوصل إلى سلام إقليمي مستدام وعودة الحرب على مصراعيها على أكثر من جبهة!

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا