آخر الأخبار

عودة بلا تعويضات... كيف يعيش أهالي زوطر الغربية بين ركام الحرب وغياب الدولة

شارك

عادت فاطمة ياغي إلى زوطر الغربية في قضاء النبطية ، لكنها لم تجد في البلدة ما يكفي من مقومات الحياة لتشعر بأنها عادت فعلًا إلى منزلها. فالعودة التي انتظرها الأهالي بعد نزوح طويل، لم تكن عودة إلى حياة طبيعية، بل إلى منازل متضررة، وطرقات تحتاج إلى إصلاح، وكهرباء غائبة، وخدمات أساسية بالكاد تتوافر، فيما تبقى التعويضات المالية خارج المشهد.

ومع ذلك، قلبت فاطمة كفيها وقررت الصبر والصمود، لأن العودة بالنسبة إليها ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل تمسّك بالأرض والبيت، حتى لو كان البيت قد فقد الكثير من ملامحه.

أكثر من أسبوعين مرّت على عودة الأهالي إلى بلدة زوطر الغربية، التي تشكّل أول منطقة تجريبية وفق اتفاق الإطار الميداني بين لبنان و إسرائيل ، برعاية أميركية. وقد بدأت الخطوة رسميًا بانتشار وحدات الجيش اللبناني في البلدة في 21 تموز الماضي، لتكون نموذجًا عمليًا لفرض السيطرة الأمنية وحصر السلاح بيد الدولة، تمهيدًا لعودة الأهالي.

لكن عودة السكان لم تترافق حتى الآن مع عودة الحياة إلى البلدة. فآثار الحرب لا تزال ماثلة في كل زاوية؛ منازل مهدّمة وأخرى متضررة، طرقات تنتظر الإصلاح، وانقطاع للكهرباء يدفع بعض السكان إلى إضاءة منازلهم بالشموع. وبينما يحاول الأهالي تدبير شؤونهم بما تيسّر، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: متى تبدأ عملية التعويض و إعادة الإعمار ؟

تقول فاطمة لـ"النشرة" إن مجلس الجنوب حضر إلى البلدة وسجّل الأضرار، لكن الأهالي لم يروا حتى الآن ما يكفي من خطوات عملية على الأرض. فالكشف على الأضرار، بالنسبة إلى العائلات، ليس نهاية الطريق، بل يفترض أن يكون بدايته، إذ إن تسجيل حجم الخسائر لا يعيد سقفًا سقط، ولا يصلح جدارًا متصدعًا، ولا يعيد إلى العائلة قدرتها على العودة إلى منزلها.

وبالنسبة إلى فاطمة، لم تعد المشكلة في حجم الدمار وحده، بل في غياب القدرة على ترميم ما تهدّم. هناك عائلات لم يعد بإمكانها الاستمرار في دفع إيجارات المنازل التي لجأت إليها خلال فترة النزوح، وفي المقابل لا تستطيع العودة إلى منازلها المتضررة من دون ترميم وتعويضات.

"هيدا البيت بينسكن؟ كيف بدو ينسكن؟"، تتساءل فاطمة بمرارة وهي تشير إلى منزلها المتضرر بشكل كبير، قبل أن تضيف "كيف يمكن مطالبة الناس بالعودة إلى بيوت تحتاج إلى ترميم، فيما الخدمات الأساسية غير متوفرة، والتعويضات التي تسمح لهم بإعادة بناء ما تهدّم لا تزال غائبة".

وفي ظل انقطاع التيار الكهربائي، تحاول العائلات تدبير أمورها بما تملك، فيما تتولى جمعية التعاون مساعدة الأهالي، ويعمل الجيش على تأمين المياه. لكن هذه المساعدات، مهما كانت ضرورية، لا تستطيع أن تحل محل خطة متكاملة لإعادة الحياة إلى البلدة.

تؤكد فاطمة أن الأهالي لا يريدون وعودًا جديدة، بل يريدون أن تتحول الوعود السابقة إلى أفعال، وأن تبدأ الدولة والجهات المعنية بتحمل مسؤولياتها تجاه بلدات دفعت ثمنًاكبيرًا للحرب. وتختصر مطلبها بالقول: «بدنا وعود حقيقية، وعود مظبوطة... بدنا مقومات للحياة"، وكيف يعيش الأهالي في منازل متضررة؟ وكيف يعيدون بناء حياتهم من دون تعويضات؟ وكيف تعود المؤسسات والمحال إلى العمل إذا لم يتوافر لأصحابها رأس المال اللازم للانطلاق من جديد؟

الاعتداءات الإسرائيلية

وفوق كل ذلك، لا يقتصر التحدي على توفير مقومات الحياة والتعويضات وإعادة الإعمار، إذ لا تزال الخروقات الإسرائيلية متواصلة، بدءًا من القصف الذي طال أطراف البلدة، مرورًا بالخروقات البرية، وصولًا إلى التقدم بالدبابات، فضلًا عن التحليق المستمر للمسيّرات، ووضع السواتر الترابية، حتى باتت هذه الممارسات جزءًا من يوميات السكان.

وقد عبّر رئيس البلدية عبد عز الدين عن استمرار الخروقات الإسرائيلية والقلق المتزايد لدى الأهالي، قائلًا: "اضطررت أن أفتح باب مكتبي للدرون الإسرائيلية"، واصفًا البلدة بأنها "منطقة منكوبة"، ومقدّرًا حجم الدمار فيها بنحو 50%، ومشيرًا إلى افتقارها إلى المياه و الكهرباء ومقومات الحياة.

غياب التعويضات

وزوطر الغربية ليست البلدة الوحيدة التي تعاني من غياب مقومات الحياة والخروقات الإسرائيلية، بل تواجه بلدات أخرى أيضًا مشكلة تأمين التعويضات اللازمة للبدء بعمليات الترميم وإعادة البناء، فيما يطال الضرر المنازل والمؤسسات والمحال التجارية.

يؤكد عياش عياش ، صاحب مؤسسة تجارية في النبطية، لـ"النشرة"، أن الحرب دمّرت مؤسسته وحوّلت نشاطه التجاري إلى "صفر"، في ظل غياب أي إجراءات عملية تساعد أصحاب المؤسسات على استعادة أعمالهم.

ويطالب عياش الدولة والجهات المعنية بإجراء كشف شامل على المؤسسات المتضررة، وتقديم الدعم الذي يمكّن أصحابها من استئناف نشاطهم، مؤكدًا أن تعويض أصحاب المنازل أو الكشف على الأضرار السكنية وحده لا يحل المشكلة.

ويقول: «المؤسسة هي اللي بتجيب بيوت، بس البيوت ما بتجيب مؤسسات»، موضحًا أن أولويته اليوم هي العودة إلى العمل وتأمين لقمة عيش عائلته، مؤكدًا أن مؤسساتهم دُمّرت بالكامل، ولم يعد لديهم حتى رأس مال بسيط يمكن أن يشكل نقطة انطلاق جديدة وأن أصحاب المؤسسات لا يريدون وعودًا أو مساعدات مؤقتة، بل «وقفة من الدولة أو من المعنيين» تساعدهم على البدء من جديد، ولو من نقطة الصفر.

وهكذا، تبدو العودة إلى زوطر الغربية وغيرها من البلدات المتضررة بدايةً لمسار أصعب من مجرد فتح الطرقات أو عودة السكان إلى منازلهم؛ فالحياة لا تستعاد من دون كهرباء ومياه وخدمات، ولا يُعاد بناء منزل أو مؤسسة من دون تعويضات، فيما يبقى الأهالي عالقين بين ركام حرب انتهت ميدانيًا، وآثارها التي لا تزال تثقل تفاصيل حياتهم اليومية.

مصدر الصورة مصدر الصورة مصدر الصورة مصدر الصورة مصدر الصورة

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا