لم تكن الجولة الأخيرة من محادثات روما مجرد محطة تفاوضية جديدة بين
لبنان وإسرائيل، بل بدت أقرب إلى اختبار فعلي لقدرة كل طرف على فرض وقائعه قبل تثبيت أي تفاهمات. فما جرى داخل قاعات التفاوض لم يكن منفصلاً عما شهده
جنوب لبنان في الساعات نفسها، بل جاء امتداداً له، في مشهد عكس بوضوح أن
إسرائيل اختارت التفاوض من موقع القوة العسكرية، وأن الميدان كان حاضراً على الطاولة ومؤثراً في مسارها.
وإذ كشفت مصادر مواكبة للمفاوضات أن الجلسة اصطدمت منذ بدايتها بتباينات عميقة، وذلك بعدما رفض الجانب
الإسرائيلي معظم العناوين التي طرحها الوفد اللبناني، من وقف إطلاق النار ووقف عمليات التجريف والتفجير، إلى ملف الأسرى، مروراً بما يُعرف بالمناطق التجريبية والمطالبة بوقف الإجراءات الميدانية التي تفرض وقائع جديدة على الأرض. وبحسب المصادر، لم تُبدِ إسرائيل أي استعداد لتقديم تنازل يمكن البناء عليه، ما جعل المفاوضات تدور في حلقة مفرغة منذ ساعاتها الأولى.
وفي موازاة ذلك، برزت روايتان متناقضتان بشأن تعليق الجلسة. فبينما جرى تسريب معلومات في الإعلام اللبناني تحدثت عن أن الوفد اللبناني علّق مشاركته بعد التهديدات
الإسرائيلية التي طالت منطقة المنصوري، وبناءً على طلب أميركي لإفساح المجال أمام اتصالات سياسية، تؤكد مصادر دبلوماسية شديدة الاطلاع أن ما حصل كان مختلفاً تماماً. وبحسب المصادر، فإن الجانب الإسرائيلي هو الذي طلب من الوفد الأميركي تعليق الجلسة، مبرراً ذلك بما وصفه بـ"التسريبات المضللة" الصادرة عن الجانب اللبناني، ما يعني عملياً أن إسرائيل كانت الطرف الذي أنهى الجلسة قبل موعدها، فيما كانت عملياتها العسكرية في الجنوب مستمرة.
وإذا كان المشهد داخل قاعة التفاوض قد عكس تشدداً إسرائيلياً غير مسبوق، فإن ما جرى خارجها كشف الآلية التي تدير بها "
تل أبيب " هذا التشدد. فإسرائيل لا تتعامل مع الميدان باعتباره نتيجة محتملة لفشل المفاوضات، بل كأداة تستخدمها أثناء التفاوض نفسه. لذلك، يصبح التصعيد العسكري جزءاً من عملية التفاوض، ويغدو الضغط بالنار وسيلة لتحسين الشروط السياسية قبل الوصول إلى أي تفاهم.
من هذه الزاوية، لا يمكن فصل ما شهده جنوب لبنان عن العقدة الأساسية التي حضرت في روما، وهي مستقبل المناطق الحدودية التي تريد إسرائيل تكريس وضع خاص لها. فالإصرار الإسرائيلي على عدم الانسحاب الكامل لا يرتبط فقط باعتبارات أمنية آنية، بل بمحاولة إنتاج نموذج جديد يتيح لها الاحتفاظ بنفوذ ميداني دائم، ولو تحت عناوين مختلفة. وبذلك، لا يعود البحث محصوراً بموعد الانسحاب، بل بالشروط التي قد تحكمه، وهو ما يمنح إسرائيل هامشاً أوسع للمناورة داخل المفاوضات.
ولعلّ هذا ما يفسر أيضاً السعي الإسرائيلي الدائم إلى خلق وقائع جديدة على الأرض. فعمليات التجريف، وتغيير معالم المناطق الحدودية، والضغط المتواصل على القرى الجنوبية، لا تبدو مجرد إجراءات عسكرية مؤقتة، بل خطوات تهدف إلى إعادة تشكيل البيئة الحدودية بما ينسجم مع التصور الأمني الذي تسعى إسرائيل إلى تثبيته في جنوب لبنان.
في المقابل، تجد
الدولة اللبنانية نفسها أمام معادلة معقدة. فهي تفاوض
على استعادة وقائع قائمة، فيما يعمل الطرف الآخر على إنتاج وقائع جديدة بشكل يومي، وهذه الفجوة بين المسارين تجعل أي تقدم تفاوضي أكثر صعوبة. وفي هذا السياق، لا يمكن التعامل مع تراجع
الجيش اللبناني في بعض النقاط بوصفه قراراً عسكرياً مستقلاً، بل باعتباره نتيجة للسياسة التي تعتمدها السلطة السياسية، والتي ترسم هامش حركة المؤسسة العسكرية على الأرض. وفي ظل هذا الواقع، تحاول إسرائيل تكريس معادلة مفادها أن أي انتشار للجيش اللبناني، أو أي عودة طبيعية للدولة والأهالي إلى تلك المناطق، لا يمكن أن تتم إلا ضمن الشروط والضوابط التي تفرضها.
أما الرسالة الأبرز التي حملتها جولة روما، فهي أن "تل أبيب" لا ترى في المفاوضات إطاراً لتبادل التنازلات، بل مساحة لتكريس موازين القوى التي فرضتها على الأرض. ولهذا جاء الرفض شبه الكامل للطروحات
اللبنانية منسجماً مع سلوكها الميداني، إذ إن الطرف الذي يعتقد أنه يمسك بزمام المبادرة العسكرية لن يجد نفسه مضطراً إلى تقديم تنازلات سياسية، بل سيحاول تحويل تفوقه الميداني إلى مكاسب تفاوضية قابلة للتثبيت.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في تضارب الروايات حول تعليق جلسة المفاوضات بقدر ما تكمن في محاولة تسويق رواية لا تنسجم مع الوقائع التي أحاطت بما جرى في روما. فبينما انشغل الجانب اللبناني بتقديم تعليق الجلسة بوصفه موقفاً وطنياً فرضته الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، كانت وقائع المفاوضات نفسها، وفق المعطيات الدبلوماسية، تعكس مساراً مختلفاً تماماً. وهذا بحد ذاته يطرح علامات استفهام حول أداء الوفد المفاوض والسلطة السياسية، وقدرتهما على إدارة واحدة من أكثر الملفات حساسية، في وقت لم تتمكن فيه من انتزاع أي اختراق تفاوضي، ولا حتى من تقديم رواية متماسكة لما جرى داخل قاعة التفاوض.