تأتي الذكرى السادسة ل انفجار مرفأ بيروت على خلاف سابقاتها، فيما التحقيق ليس متوقفًا، والمحقق العدلي ليس مكفوف اليد، والاستجوابات لم تعد معلقة بانتظار حسم الدعاوى. فقد أعلن القاضي طارق البيطار في 30 آذار الماضي ختم التحقيق، بعد مسار شمل الادعاء على نحو سبعين شخصًا من مسؤولين سياسيين وأمنيين وقضائيين وإداريين، وأحال الملف إلى النيابة العامة التمييزية لتقديم مطالعتها في الأساس.
يشكل هذا التطور فارقًا جوهريًا عن السنوات السابقة. ففي كل ذكرى مضت، كان النقاش يعود إلى الدعاوى التي شلّت التحقيق، أو إلى رفض بعض المدعى عليهم المثول، أو إلى النزاع حول صلاحيات البيطار. أما اليوم، فقد انتهت مرحلة جمع الأدلة والاستجوابات. مع ذلك، لم يصدر القرار الذي يحدد من تُمنع عنه المحاكمة ومن يُتهم ويُحال إلى المجلس العدلي ، ولم تبدأ بعد محاكمة أي من المدعى عليهم.
وعشية الذكرى، دعا رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى إصدار القرار المنتظر، معتبرًا أن العدالة لم تعد تحتمل مزيدًا من التأخير، فيما أكد رئيس الحكومة نواف سلام أنه "لا تسوية على حساب العدالة" ولا غطاء لأي مسؤول. لكن الدعوة السياسية، على أهميتها، لا تحجب المفارقة التي تطبع هذه المرحلة: الدولة تعلن أن الغطاء مرفوع عن الجميع، فيما لا تزال واحدة من أكبر القضايا الجنائية في تاريخ لبنان الحديث خارج قاعة المحكمة.
لذلك، لم يعد السؤال يدور حول قدرة البيطار على متابعة التحقيق وسط محاولات كف يده والنزاع على صلاحياته، وإنما حول سبب عدم انتقال الملف إلى المحاكمة رغم اكتمال التحقيق. فهل تحتاج النيابة العامة التمييزية إلى هذه المدة لمراجعة ملف استثنائي في حجمه وتشعباته، أم أن التعطيل الذي أخّر وصول البيطار إلى نهاية التحقيق انتقل اليوم إلى المسافة الفاصلة بين ختمه وبدء المحاكمة؟
تحقيق أنهكته الدعاوى ولم تسقطه
لم يكن الطريق إلى ختم التحقيق في قضية انفجار مرفأ بيروت مسارًا قضائيًا عاديًا. فمنذ تسلمه الملف عام 2021، واجه البيطار شبكة متداخلة من دعاوى الرد والمخاصمة والدفوع المرتبطة بالحصانات والصلاحيات. تقدم عدد من المدعى عليهم بطلبات متلاحقة لكف يده، وأدى غياب المرجع القادر على البت ببعضها إلى تعليق التحقيق فترات طويلة.
بلغ الاشتباك ذروته مطلع عام 2023، عندما حاول البيطار استئناف عمله مستندًا إلى قراءة قانونية اعتبر بموجبها أن المحقق العدلي لا يجوز أن يبقى مكفوف اليد إلى أجل غير محدد. اصطدم هذا التوجه بالنيابة العامة التمييزية يومها، وتحول الخلاف من مواجهة بين مدعى عليهم وقاضٍ إلى نزاع داخل الجسم القضائي نفسه، قبل أن يعود الملف إلى الجمود.
استؤنف التحقيق فعليًا بعد تغير المناخ القضائي وتراجع المواجهة المفتوحة مع البيطار. أتاح ذلك تنفيذ استجوابات كانت معلقة وتلقي أجوبة عن استنابات دولية واستكمال تقارير ومعطيات لم تكن قد وصلت. وبعد أكثر من عام على استئناف عمله، أعلن البيطار ختم التحقيق وإحالته إلى النيابة العامة، لينتقل الملف من سؤال ما يستطيع المحقق فعله إلى سؤال ما ستفعله المؤسسات القضائية بما أنجزه.
تكمن أهمية هذه النقطة في أن العائق الحالي لم يعد دعوى توقف القاضي عن العمل أو نزاعًا صريحًا على صلاحياته. فالملف مكتمل وموجود لدى الجهة القضائية المعنية بمراجعته، ما يجعل التأخير مختلفًا في شكله عن التعطيل السابق، حتى لو قاد في النهاية إلى النتيجة نفسها: إبقاء القضية خارج المحكمة.
ماذا تنتظر النيابة العامة التمييزية؟
تعكف النيابة العامة التمييزية على إعداد ما يُعرف بـ"المطالعة في الأساس". ولا تقتصر هذه المهمة على مراجعة شكلية لما أنجزه البيطار، إذ يفترض أن تشمل دراسة محاضر الاستجوابات والتقارير الفنية والشهادات والاستنابات الخارجية، وتقييم الأدلة المرتبطة بكل مدعى عليه، ثم تقديم الرأي في الوقائع والتوصيفات والطلبات.
تكتسب المطالعة أهمية إضافية لأن النيابة العامة ستمثل الحق العام أمام المجلس العدلي عند بدء المحاكمة. لذلك يفترض أن تحدد موقفها من المسؤوليات الجزائية، ومدى كفاية الأدلة لإحالة كل شخص، والأوصاف الجرمية التي تراها منطبقة على الأفعال المنسوبة إليه. مع ذلك، لا تملك النيابة العامة سلطة حسم مصير الملف، فرأيها غير ملزم للمحقق العدلي، الذي يعود إليه اتخاذ القرار بمنع المحاكمة عن بعض المدعى عليهم أو اتهامهم وإحالتهم إلى المجلس العدلي.
يزيد تبدل رئاسة النيابة العامة التمييزية بعد إحالة الملف تعقيد هذه المرحلة. فالملف أُحيل في نهاية آذار إلى النائب العام التمييزي السابق جمال الحجار ، قبل أن يتولى القاضي أحمد رامي الحاج المنصب في نيسان ويعيد تكليف المحامي العام التمييزي محمد صعب استكمال الدراسة. يفسر هذا الانتقال حاجة المرجع الجديد إلى إعادة الإمساك بملف ضخم، لكنه لا يجيب وحده عن المدة التي يمكن اعتبارها مقبولة.
مهلة قانونية أم وقت مفتوح؟
ينشأ الجدل القانوني من العلاقة بين المواد المنظمة لعمل قاضي التحقيق وتلك الخاصة بالمحقق العدلي. فقانون أصول المحاكمات الجزائية يحدد، في القضايا العادية، مهلة للنيابة العامة لتقديم مطالعتها النهائية أمام قاضي التحقيق، فيما يخضع المحقق العدلي في جوانب واسعة للأصول نفسها. لكن المادة الخاصة بقراره أمام المجلس العدلي لا تحدد مهلة مستقلة وصريحة لمطالعة النيابة العامة التمييزية.
تفتح هذه الصياغة الباب أمام قراءتين مختلفتين. ترى الأولى أن المهلة المحددة أمام قاضي التحقيق تنطبق أيضًا أمام المحقق العدلي، بما يعني أن الفترة الحالية تجاوزت الإطار الذي يفترضه القانون. أما الثانية، فتنطلق من الطبيعة الاستثنائية للملف وحجمه لتعتبر أن المهلة لا يمكن تطبيقها حرفيًا، وأن النيابة تحتاج إلى وقت معقول لإنجاز مراجعة جدية لا شكلية.
عمليًا، لا تحسم المسألة بعدّ الأيام وحده، فملف يضم عشرات المدعى عليهم وآلاف الصفحات لا يراجع كقضية عادية. غير أن عبارة "ضخامة الملف" لا تستطيع أن تتحول إلى مهلة غير محدودة، خصوصًا بعد مرور أكثر من أربعة أشهر على إحالته. فإذا كان التسرع في قضية بهذا الحجم مرفوضًا، فلا يجوز، في المقابل، أن يتحول تعبير "الوقت المعقول" إلى غطاء لمهلة بلا نهاية أو أفق معلن.
ماذا سيكشف القرار المنتظر؟
يُشار سياسيًا وإعلاميًا إلى الخطوة المقبلة باسم " القرار الظني "، فيما يتحدث القانون، في سياق المجلس العدلي، عن القرار الذي يصدره المحقق العدلي بعد مطالعة النيابة العامة، ويقضي إما بمنع المحاكمة عن المدعى عليه وإما باتهامه وإحالته إلى المجلس. وبعيدًا عن الخلاف الاصطلاحي، سيمثل هذا القرار أول وثيقة قضائية متكاملة تحدد ما توصل إليه التحقيق بعد ست سنوات.
لن يكون القرار حكمًا بالإدانة، ولن يحسم براءة أي شخص أو مسؤوليته النهائية. وظيفته أن يعرض الوقائع التي يعتبرها المحقق ثابتة، ويحدد الأدلة المتوافرة بحق كل مدعى عليه، ويربط بين موقعه وصلاحياته وما كان يعرفه أو يفترض أن يعرفه، ثم يقرر ما إذا كانت هذه العناصر تكفي لإحالته إلى المحاكمة.
تنبع أهمية هذه الخطوة من أنها تنقل القضية من المسؤولية العامة إلى المسؤولية الفردية. فاللبنانيون يعرفون أن شحنة نيترات الأمونيوم بقيت سنوات في المرفأ، وأن مراسلات وتحذيرات انتقلت بين إدارات وأجهزة ووزارات. لكن العبارة العامة القائلة إن "الدولة كانت تعلم" لا تكفي في القانون الجزائي. المطلوب تحديد من علم، ومتى علم، وما الذي كان قادرًا على فعله، وما الصلة بين قراره أو تقاعسه والنتيجة التي وقعت.
سيتيح القرار أيضًا فصل الوقائع المثبتة عن الروايات والتسريبات التي أحاطت بالقضية. للمرة الأولى، ستظهر رواية قضائية مترابطة تحدد مسار الشحنة، وطبيعة المسؤوليات، والأوصاف الجرمية، والأشخاص الذين يفترض أن يمثلوا أمام المجلس العدلي.
محاكمة تبدأ أم تعطيل يتجدد؟
لا يشكل صدور القرار نهاية الملف، وإنما بداية المرحلة الأكثر علنية فيه. فبعد الإحالة، تنتقل القضية إلى المجلس العدلي، حيث تُجرى المحاكمة، ويُسمع المتهمون والشهود، وتُناقش الأدلة والدفوع قبل الوصول إلى الأحكام.
قد تظهر في هذه المرحلة عقبات جديدة، من بينها صعوبة تبليغ بعض المتهمين أو تنفيذ مذكرات التوقيف، وتجدد الجدل حول حصانات النواب والوزراء، ومحاولة إعادة فتح النزاع بشأن الجهة المختصة بمحاكمتهم. كما قد يثير الدفاع دفوعًا تتعلق بالإجراءات أو بصلاحيات المحقق العدلي.
لكن التعطيل بعد صدور القرار سيكون مختلفًا. فالأسماء والوقائع والاتهامات ستصبح معلنة، وستنتقل مسؤولية التأخير من تحقيق سري إلى مؤسسات مطالبة بعقد جلسات وتنفيذ مذكرات وتبرير أي توقف أمام الرأي العام. عندها يصعب إبقاء القضية في المنطقة الرمادية التي ظلت فيها سنوات، من دون إحالات معلنة أو موعد لبدء المحاكمة.
لم يعد ملف المرفأ يفتقر إلى قاضٍ يعمل أو إلى تحقيق يجمع الوقائع. ما ينقصه هو الخطوة التي تحول ست سنوات من التحقيق والمواجهة إلى قضية منظورة أمام المحكمة. لذلك لا تختبر المرحلة الحالية البيطار وحده، وإنما قدرة القضاء اللبناني كله على حماية ما أُنجز من المصير الذي لحق بكل مرحلة سابقة، بدلًا من أن يتحول ختم الملف إلى صيغة جديدة لإبقائه مغلقًا.
المصدر:
النشرة