مع كل جولة تصعيد جديدة بين الولايات المتحدة و إيران ، يتجدد السؤال حول ما إذا كانت المنطقة تقف على أبواب حرب إقليمية شاملة، أم أن ما يجري يندرج ضمن سياسة إدارة التصعيد التي تتيح للأطراف توجيه الرسائل العسكرية والسياسية من دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة.
رغم أن المشهد الميداني كان يبدو في الأيام الماضية أكثر سخونة من أي وقت مضى، إلا أن مصادر سياسية ودبلوماسية مطلعة تستبعد، في هذه المرحلة، انتقال الصراع إلى حرب واسعة خلال الأسابيع القليلة المقبلة، انطلاقًا من جملة اعتبارات سياسية وعسكرية واقتصادية تتقاطع عند نتيجة واحدة، وهي أن كلفة الحرب الشاملة لا تزال أعلى بكثير من المكاسب التي يمكن أن تحققها لأي من الفرقاء.
وتشير المصادر عبر " النشرة " إلى أن المؤشر الأهم يتمثل في غياب القرار السياسي بالحرب، إذ إن الحروب الكبرى تحتاج إلى قرار استراتيجي واضح لدى القوى الرئيسية، وحتى الآن، تبدو الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل وكأنها تسعى إلى تحسين مواقعها التفاوضية وتعزيز قواعد الردع أكثر من سعيها إلى حسم عسكري شامل. كما أن طبيعة العمليات العسكرية الأخيرة، رغم قسوتها، بقيت في إطار الضربات المحسوبة والرسائل المتبادلة، من دون مؤشرات واضحة على تعبئة عسكرية شاملة تسبق عادة الحروب الكبرى.
وترى المصادر أن استمرار قنوات الاتصال غير المباشرة عبر الوسطاء، رغم التصعيد، يعكس أن الباب السياسي لم يُغلق بعد، وتلفت المصادر إلى أن الحسابات الأميركية الداخلية تشكل عاملًا أساسيًا في هذا السياق. فإدارة الرئيس دونالد ترامب تدخل مرحلة حساسة مع اقتراب الانتخابات النصفية ، وهي تدرك أن أي حرب واسعة قد تتحول إلى عبء انتخابي إذا أدت إلى ارتفاع أسعار النفط والبنزين وتفاقم الضغوط الاقتصادية على المواطن الأميركي. وقد أظهرت تجربة حرب الأربعين يوماً هذا الواقع بوضوح، إذ ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة من نحو ثلاثة دولارات للغالون قبل الحرب إلى أكثر من أربعة دولارات ونصف خلال ذروة العمليات، قبل أن يتراجع مع التهدئة، ثم يعاود الارتفاع مع تجدد المواجهات الأخيرة. وتعتبر المصادر أن هذا العامل الاقتصادي يكتسب أهمية خاصة في الولايات المتحدة، حيث يبقى سعر الوقود أحد المؤشرات التي تؤثر مباشرة في المزاج الانتخابي وفي شعبية أي إدارة حاكمة.
وفي المقابل، لا تنكر المصادر وجود ضغط إسرائيلي متواصل يدفع باتجاه مواصلة تشديد المواجهة مع إيران ومنعها من استعادة قدراتها العسكرية، إلا أنها تشدد على أن القرار الأميركي لا يُبنى على الرغبة الإسرائيلية وحدها، بل يخضع لموازنة معقدة تشمل تقديرات البنتاغون ، والأجهزة الاستخبارية، والمؤسسات الاقتصادية، والحسابات الانتخابية، والمصالح الأميركية العالمية.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو المنطقة أمام مرحلة من التصعيد المضبوط، تتخللها جولات عسكرية ورسائل متبادلة، فيما يبقى قرار الحرب الشاملة مؤجلاً إلى أن تتغير موازين المصالح أو تفرض تطورات ميدانية استثنائية واقعًا جديدًا لا يعود معه الاحتواء ممكنًا.
المصدر:
النشرة