تكمن خطورة الحروب في قدرتها على إعادة تشكيل الجغرافيا والمجتمع والسياسة، لا في حجم الدمار المباشر فقط. وفي حالة الجنوب ال لبنان ي، فإن عمليات النسف الواسعة تطرح أسئلة تتجاوز الأضرار المادية إلى مستقبل المنطقة، وقدرة سكانها على العودة، ودور الدولة اللبنانية في إدارة الأزمة. فالبلدات والقرى الجنوبية ليست مجرد نقاط عسكرية على خريطة. إنها مناطق مأهولة تحمل تاريخًا اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا متراكمًا، وتضم أراضٍ زراعية ومواقع تاريخية وأثرية تشكل جزءًا من ذاكرة وهوية لبنان. إن تدمير المنازل والمنشآت في مناطق مأهولة لا يقتصر على الخسارة المادية، بل يؤدي إلى تفكيك مقومات الحياة اليومية، ويجعل عودة السكان أكثر صعوبة، خصوصًا مع استمرار المخاطر الأمنية وغياب مقومات العيش.
وتزداد حساسية الأمر عندما تطال الأضرار مواقع ذات قيمة تاريخية أو أثرية، لأن هذه المواقع لا يمكن تعويضها بمجرد إعادة البناء. فالمبنى الأثري أو المعلم التاريخي ليس مجرد حجارة، بل يمثل ذاكرة جماعية مرتبطة بهوية المكان وسكانه. لذلك فإن حماية هذه المواقع في أوقات النزاعات ليست مسألة ثقافية فقط، بل جزء من الحفاظ على استمرارية المجتمعات نفسها.
أما التفجيرات الضخمة التي تستهدف مواقع أو منشآت تحت الأرض، فإنها تفتح نقاشًا أوسع حول تأثيرها البيئي والجغرافي. فالانفجارات ذات الطاقة العالية يمكن أن تولد موجات اهتزازية تصل إلى أجهزة الرصد العلمية، ما يطرح تساؤلات حول آثارها في مناطق ذات طبيعة جيولوجية حساسة. وبينما يختلف تأثير الانفجارات البشرية عن الزلازل الطبيعية من حيث المصدر والآلية، فإن المخاوف المرتبطة بالتدخلات الكبيرة والمتكررة في باطن الأرض تستحق الدراسة العلمية، خصوصًا عندما تكون المناطق المتأثرة قريبة من تجمعات سكنية وعلى تماس بين أكثر من دولة.
ولا يقتصر الجدل على الجانب الجغرافي، بل يمتد إلى البعد السياسي والدولي. فغياب رد فعل قوي أو موحَّد من المجتمع الدولي تجاه أحداث مدمرة يثير تساؤلات حول مدى اتساق المعايير المستخدمة في تقييم النزاعات. فحين تطرح حماية المدنيين واحترام القانون الدولي كمبادئ عالمية، فإن ضعف تطبيقها في بعض الحالات يخلق شعورًا لدى المتضررين بأن هناك تفاوتًا في قيمة المعاناة الإنسانية بحسب موقع الضحية أو هوية الأطراف المعنية.
في هذا السياق، تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، يمثل المسار التفاوضي وسيلة محتملة لتخفيف التصعيد ومنع استمرار الخسائر، ومن جهة أخرى، فإن استمرار التغييرات الميدانية أثناء المفاوضات يضعها أمام اختبار داخلي صعب. فالمواطنون لا يقيمون أي مسار سياسي فقط من خلال أهدافه المعلنة، بل من خلال النتائج التي يلمسونها على الأرض. ويزداد تعقيد الموقف اللبناني عندما يرتبط المسار التفاوضي بتفاهمات تضع قواعد لإدارة الخلافات بين الفريقين، إذ تجد الدولة نفسها أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على مسار الحوار من جهة، وضمان ألا يُفهم ذلك على أنه تنازل عن حقوقها أو عن قدرتها على معالجة الأضرار التي لحقت بأراضيها وسكانها من جهة أخرى. فالتفاوض لا يلغي حق الدولة في حماية مصالحها، لكنه يفرض توازنًا بين متطلبات الحل السياسي ومتطلبات المساءلة الوطنية. ونجاح التفاوض بالنسبة للبنان لا يرتبط بمجرد انعقاد الاجتماعات، بل بقدرته على إنتاج نتائج واضحة: وقف الأعمال العسكرية، حماية السكان، ضمان العودة، وإعادة بناء ما تضرر. أما إذا بقي الحوار السياسي منفصلًا عن الواقع الميداني، فقد يتحول إلى عملية لإدارة الأزمة بدلًا من أن يكون طريقًا لحلها، ويصبح مصير الجنوب معلقًا بمدى قدرة التطورات الحالية على الوصول إلى تسوية تعيد الاستقرار وتحفظ حق السكان في أرضهم، أم تركها واقعًا جديدًا تفرضه القوة.
المصدر:
النشرة