لم يعد ممكناً الفصل بين ما يجري داخل لبنان وما يجري داخل سوريا ، ولا بين أمن البلدين وحدودهما وتشابكاتهما السياسية والعسكرية. لذلك، فإن تأكيد الرئيس السوري أحمد الشرع أنه لن يتدخل عسكرياً في لبنان هو محاولة لرسم حدود الدور السوري الجديد بعد سقوط المرحلة السابقة بكل تعقيداتها.
لكن اللافت أن هذا النفي للتدخل العسكري ترافق مع سلسلة مواقف تتناول بشكل مباشر ملفات لبنانية داخلية، من سلاح حزب الله ، إلى سيادة الدولة اللبنانية، وصولاً إلى انعكاسات أي انفجار داخلي لبناني على الداخل السوري، وهو ما يعني أن دمشق تريد القول إنها لن تكون لاعباً عسكرياً داخل لبنان، في هذا التوقيت على الأقل كون كل شيء سيبقى خاضعًا للظروف، لكنها لن تكون أيضاً متفرجاً سياسياً على ما يحدث فيه.
منذ عقود، كان الملف اللبناني جزءاً من معادلة الأمن القومي السوري . تغيرت الأنظمة، وتبدلت التحالفات، لكن الجغرافيا بقيت ثابتة، كذلك الحدود الطويلة والمتداخلة، وحركة السكان، والاقتصاد، و التهريب ، وانتقال الجماعات المسلحة، كلها تجعل أي اضطراب لبناني يتحول سريعاً إلى تحدٍ أمني بالنسبة إلى دمشق، والعكس صحيح، لذلك، عندما يتحدث الشرع عن أن أي انفجار داخلي في لبنان سينعكس على الداخل السوري، فهو بحسب مصادر متابعة يعبر عن هاجس أمني حقيقي لدى الدولة السورية الجديدة التي تخوض أساساً عملية إعادة بناء مؤسساتها، ولا تريد فتح جبهة جديدة على حدودها الغربية.
في المقابل، تشير المصادر عبر "النشرة" إلى أن حديثه عن سلاح حزب الله يحمل أكثر من رسالة، فمن جهة، يبدو منسجماً مع الخطاب العربي والدولي الداعم لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، لكنه من جهة أخرى يعكس تحولاً واضحاً في موقع دمشق نفسها، فالنظام السوري السابق كان يرى حزب الله جزءاً من منظومة الردع الإقليمية، بينما تحاول السلطة الحالية تقديم نفسها باعتبارها دولة تبحث عن الاستقرار والانفتاح وإعادة التموضع الإقليمي، مما يفرض عليها تبني خطاب مختلف تجاه الملفات التي كانت تُعد سابقاً من المسلمات الاستراتيجية.
لكن الأكثر حساسية في كلامه هو استحضار الشرع لتاريخ العلاقة بين حزب الله والسوريين، في إشارة واضحة إلى مشاركة الحزب في الحرب السورية، وهذه بحسب المصادر محاولة توظيف سياسي لأحداث ماضية، يمكن منها الانطلاق نحو هجوم مقابل تجاه السوريين وممارساتهم طوال عقود حكموا فيها لبنان.
أما حديثه عن استمرار انتشار الحزب ومسلحيه على الحدود اللبنانية السورية ، فهو يحمل بعداً أمنياً أكثر منه سياسياً، فدمشق تريد القول إن ملف الحدود لم يُقفل بعد، وإن سيادة الدولة السورية، كما سيادة الدولة اللبنانية، تقتضي أن تكون الحدود تحت سيطرة المؤسستين الرسميتين لا القوى المسلحة غير النظامية، وفي الوقت نفسه، فإن هذا الكلام يبعث رسالة غير مباشرة إلى المجتمع الدولي و العواصم العربية بأن سوريا الجديدة مستعدة للتعاون في ضبط الحدود ومكافحة التهريب ومنع استخدام أراضيها أو حدودها في أي نشاط عسكري خارج سلطة الدولة.
إلا أن هذه التصريحات لا تعني بالضرورة أن دمشق تتجه إلى مواجهة مباشرة مع حزب الله في الوقت الحالي، لكنها تعكس بداية تدخل سوري في لبنان رغم كل ما يقال عن ان سوريا الجديدة لا تريد التدخل وتريد بناء علاقة على أساس السيادة الكاملة لكل دولة على نفسها، وتشير المصادر إلى أن التوازنات الإقليمية الحالية لا تزال تمنع مثل هذا السيناريو، كما أنها نفسها لا تملك مصلحة في فتح صراع جديد وهي الخارجة من حرب طويلة، ولكن مع تبدل الظروف قد يتبدل المشهد لأن كل مسببات الصدام متوفرة وأوردها الشرع بكلامه، من حديثه عن تاريخ العلاقة، إلى الخشية من تأثر سوريا بوضع لبنان إلى مسألة انتشار مسلحي الحزب على الحدود مع سوريا.
تكشف تصريحات الشرع عن رؤيته للعلاقة مع لبنان، فهو يريد أن يوحي أن بلاده لن تعود إلى مرحلة الوصاية، ولكن بالواقع بات واضحًا أنها بمن فيها ومن معها ومن خلفها، لن تتعامل مع لبنان باعتباره شأناً خارجياً منفصلاً عن المنطقة.
المصدر:
النشرة