آخر الأخبار

بين الفريق الثلاثي وميكانيزم كليرفيلد... من يدير الجنوب بعد الانسحاب التجريبي؟

شارك

لم يعد اتفاق واشنطن بين لبنان وإسرائيل عالقًا عند حدود النص السياسي أو الجدل الداخلي حول شرعيته. فمع انتقال البحث إلى التحضيرات العملية لتنفيذه، وخصوصًا في ما يتعلق بما يُعرف بـ" المناطق التجريبية "، يتقدّم سؤال جديد إلى الواجهة: من يملك حق إدارة التنفيذ، ومن يحدّد نجاحه أو فشله، ومن يفسّر الخروق إذا حصلت؟

هذا السؤال يبدو تقنيًا في الظاهر، لكنه في العمق سياسي بامتياز. ف الانسحاب الإسرائيلي من مناطق محددة، وانتشار الجيش اللبناني فيها، لا يحصلان في فراغ. هناك آليات رقابة، وجهات إشراف، وتقييم أميركي، وحسابات إسرائيلية، وحساسية لبنانية داخلية لا تزال قائمة. لذلك، لا تكمن خطورة المرحلة المقبلة فقط في ما إذا كانت إسرائيل ستنسحب فعلًا، بل في الجهة التي ستقرر أن الانسحاب قابل للاستكمال أو للتعليق.

من هنا، تبدو الإشكالية الأبرز في تعدّد الآليات لا في وجود آلية واحدة. فهناك من جهة الآلية القائمة المرتبطة بمنع الاشتباك ومراقبة الخروقات، وهناك من جهة ثانية الحديث عن لجنة أو فريق أمني-عسكري جديد يتولى الإشراف المباشر على تطبيق إطار واشنطن، بإدارة أميركية يبرز فيها اسم الجنرال جوزيف كليرفيلد .

وبين الآليتين، يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل نحن أمام تطوير لمنظومة الرقابة القائمة، أم أمام مرجعية جديدة قد تتحول مع الوقت إلى الجهة الفعلية التي تدير الجنوب؟

من وقف النار إلى هندسة التنفيذ

صر الحديث عادة عن "المناطق التجريبية" بوصفه أمرًا ميدانيًا محدودًا، لا يتجاوز تسليم موقع هنا أو انتشار عسكري هناك. لكن ما جرى اليوم من لقاء بين سلام وهيكل، إلى جانب الحضور الأميركي المرتبط بكليرفيلد، يكشف أن الأمر أعمق من ذلك بكثير. فالبحث لم يعد فقط في توقيت الانسحاب أو تسلسله، إنما في من يقرر متى بدأ الانسحاب فعليًا، ومتى يُعتبر مكتملًا، ومن يملك حق القول إن الجيش اللبناني أوفى بمتطلبات المرحلة.

فالمناطق التجريبية ليست مجرد مساحة جغرافية تنسحب منها إسرائيل ويدخل إليها الجيش. إنها اختبار لنموذج كامل: كيف يُنفَّذ الاتفاق، من يراقب الأرض، من يرفع التقارير، من يقارن بين الرواية اللبنانية والرواية الإسرائيلية، ومن يملك الكلمة الأخيرة عندما تقول إسرائيل إن تهديدًا ما لا يزال قائمًا، أو عندما يقول لبنان إن تل أبيب تستخدم الذرائع لتأجيل الانسحاب.

بهذا المعنى، يصبح الانسحاب التجريبي أقل من انسحاب كامل وأكثر من مناورة ميدانية. فهو يمنح إسرائيل فرصة اختبار الجيش، ويمنح واشنطن فرصة اختبار الآلية، ويمنح الحكومة اللبنانية فرصة إثبات أن خيار التفاوض بدأ ينتج مفاعيله. لكنه، في المقابل، يمنح كل طرف القدرة على استخدام التعثر حجة لتجميد المسار.

آليتان أم مرجعيتان؟

المشكلة لا تبدأ من الرقابة بذاتها. في أوضاع مماثلة، تحتاج أي ترتيبات أمنية إلى جهة تتابع وتوثّق وتمنع الانزلاق. غير أن الخطر يبدأ عندما تتعدد قنوات الرقابة من دون تحديد واضح للعلاقة بينها. فهل تبقى الآلية القائمة مرجعًا لرصد الخروقات ومنع الاحتكاك، بينما تتولى اللجنة الجديدة متابعة تنفيذ اتفاق واشنطن؟ أم أن الثانية ستبتلع الأولى بحكم ارتباطها المباشر بالانسحاب وبالقرار الأميركي؟

هذا الفارق ليس تفصيلًا بيروقراطيًا. فإذا كانت الآلية الأولى معنية بضبط الاشتباك، فإن الآلية الثانية تبدو معنية بتقييم الالتزام. الأولى تسأل: هل وقع خرق؟ أما الثانية فقد تسأل: هل استوفى لبنان الشروط المطلوبة للمرحلة التالية؟ هنا ينتقل النقاش من رصد الوقائع إلى تفسيرها، ومن تثبيت الأمن إلى الحكم على الأداء السياسي والعسكري للدولة اللبنانية.

عند هذه النقطة تحديدًا يصبح اسم كليرفيلد مهمًا. فالمسألة ليست شخصية الضابط الأميركي، بل موقعه الوظيفي في المرحلة المقبلة. فإذا كان رئيسًا أو مشرفًا على اللجنة الأمنية والعسكرية الجديدة، فهذا يعني أن واشنطن لم تعد وسيطًا يرعى النص فحسب، بل صارت طرفًا يملك قدرة مؤثرة على تفسير التنفيذ. قد يكون ذلك مفيدًا للبنان حين تضغط واشنطن على إسرائيل للانسحاب، لكنه قد يصبح إشكاليًا إذا تحولت واشنطن إلى الجهة التي تقرر متى نجح لبنان ومتى قصّر.

عندما تتعارض الروايات

تظهر خطورة تعدد الآليات عند أول خلاف على تفسير ما يجري في الميدان. فماذا يحصل إذا قالت إسرائيل إن الجيش لم ينجز ما هو مطلوب منه في منطقة معينة، بينما تؤكد بيروت أن الانتشار تم وفق المتفق عليه؟ وماذا لو سجّلت الآلية القائمة خرقًا إسرائيليًا، فيما ذهبت اللجنة الجديدة إلى اعتبار الحادثة تفصيلًا لا يبرر وقف المسار؟ هنا لا يعود السؤال تقنيًا، بل يصبح سؤال مرجعية: من يملك حق الحسم عندما تتعارض التقارير؟

في هذه النقطة تحديدًا، قد يتحول الجنوب إلى مساحة تنازع بين روايات متعددة لا بين جيوش فقط. الرواية الإسرائيلية ستبحث غالبًا عن ثغرة أمنية تؤجل الانسحاب التالي، والرواية اللبنانية ستتمسك بأن أي خرق إسرائيلي يجب أن يُحتسب على تل أبيب لا على قدرة الجيش، أما واشنطن فستجد نفسها في موقع من يوازن بين الطرفين، لا في موقع الضامن المحايد بالضرورة. وكلما غابت المعايير المكتوبة والواضحة، اتسعت مساحة التأويل السياسي لما يفترض أنه إجراء ميداني.

لذلك، لا تكفي معرفة أسماء أعضاء اللجنة أو عناوين الآليات. الأهم هو تحديد قاعدة العمل عند التعارض: هل تُعتمد تقارير الجيش اللبناني؟ هل تُحال الخلافات إلى الحكومة؟ هل يكون للوسيط الأميركي حق الترجيح؟ وهل تستطيع إسرائيل أن تعلّق الانسحاب بناءً على تقديرها الخاص قبل أن تقول الآلية كلمتها؟ من دون أجوبة واضحة، قد لا تكون المشكلة في فشل التنفيذ، بل في أن كل طرف سيتمكن من إعلان فشله أو نجاحه وفق المعايير التي تناسبه.

أين تكمن مصلحة لبنان؟

لبنان يحتاج، بلا شك، إلى أي مسار يؤدي إلى انسحاب إسرائيل من أرضه وتثبيت حضور الدولة في الجنوب. لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى منع تحويل الانسحاب إلى عملية تقييم مفتوحة لا تنتهي. فإذا قبل لبنان بمنطق "المرحلة التجريبية"، فعليه أن يصرّ في المقابل على وضوح المعايير: ما الذي يُطلب من الجيش تحديدًا؟ ما هي مهلة كل مرحلة؟ من يقرر الانتقال إلى المرحلة التالية؟ ما هو مصير الخروقات الإسرائيلية خلال الفترة التجريبية؟ وهل تُسجَّل على إسرائيل بالآلية نفسها التي تُقيَّم بها الالتزامات اللبنانية؟

هذه الأسئلة ليست اعتراضًا على التنفيذ، بل شرط لحمايته. فالغموض قد يبدو مفيدًا في لحظة التوقيع لأنه يسمح لكل طرف بأن يقدّم الاتفاق لجمهوره بالطريقة التي تناسبه. لكنه يصبح خطيرًا عند التنفيذ، لأن كل طرف يستطيع أن يملأ الغموض بما يخدم مصالحه. إسرائيل قد تعتبر أي نقص أمني سببًا للتريث، وواشنطن قد تعتبر الحاجة إلى مزيد من التحقق مبررًا لإطالة الرقابة، والداخل اللبناني قد يعتبر الآلية الجديدة شكلًا من أشكال الوصاية.

المطلوب لبنانيًا، إذًا، ليس رفض الرقابة بالمطلق، ولا التسليم بها من دون شروط. المطلوب تحديد موقعها بدقة. الرقابة يجب أن تساعد على الانسحاب لا أن تتحول إلى بديل عنه. الآلية يجب أن توثق الخروق لا أن تصادر القرار السياسي. اللجنة يجب أن تواكب الجيش لا أن تضعه في موقع المتهم الدائم. أما واشنطن، فإذا أرادت أن تكون ضامنًا، فعليها أن تضمن أولًا أن لا تتحول الشروط الإسرائيلية إلى سقف أعلى من نص الاتفاق نفسه.

اختبار مفتوح للسيادة

في الخلاصة، قد تكون "المناطق التجريبية" بداية مسار يعيد للدولة حضورها في الجنوب. لكنها قد تتحول أيضًا إلى نموذج لمرحلة طويلة من الاختبارات المفتوحة، إذا لم تُحسم منذ الآن العلاقة بين الآليات المتعددة، وحدود الدور الأميركي، وموقع الجيش اللبناني، ومعايير الانتقال من منطقة إلى أخرى.

يتضح مما سبق أن المشكلة لا تكمن فقط في تعدد آليات الإشراف على الجنوب، إنما في غياب مرجعية سياسية واضحة تضبط العلاقة بينها. فإذا أصبح الجنوب محكومًا فعليًا بآليتين متوازيتين، إحداهما تُعنى بمنع الاشتباك، والأخرى بتقييم مسار الانسحاب التجريبي، فإن التنفيذ قد يتحول تدريجيًا من عملية استعادة للسيادة إلى اختبار دائم ومفتوح لها، تُحدَّد معاييره خارج الطاولة اللبنانية أكثر مما تُحدَّد فوقها.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا