آخر الأخبار

من واشنطن إلى روما.. هل يصبح انسحاب إسرائيل تفاوضًا بلا نهاية؟

شارك
لم يخرج اتفاق واشنطن من دائرة الغموض رغم مرور أيام على توقيعه، حتى إنه يستعدّ للعودة إلى طاولة البحث مجدّدًا وفقًا لبعض المعطيات الصحفية. فبدل أن يكون السؤال محصورًا بموعد بدء الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب والآليات التنفيذية لما سُمّيت بالمرحلة التجريبية، بدأ سؤال آخر يتقدم: لماذا يحتاج الاتفاق، بعد توقيعه، إلى جولة محادثات جديدة في روما؟ وألا يفترض أن تكون كل الملابسات قد نوقشت قبل التوقيع؟
هكذا، يبدو أنّ المسار الذي قُدّم بوصفه مدخلًا إلى التنفيذ، ولا سيما عبر ما يسمى "المناطق التجريبية"، لا يزال عمليًا عالقًا بين التحضير والتفاوض، وهو لم ينتقل بعد إلى مرحلة التنفيذ الصافي. وجاء الحديث عن جولة محادثات جديدة في وقت كان فيه رئيس الحكومة نواف سلام يبحث مع قائد الجيش رودولف هيكل التحضيرات لتنفيذ المرحلة، وهو ما بدا دليلًا آخر على أنّ الطريق من النص إلى الأرض لم تُحسم بعد.
هنا تكمن الإشكالية الأساسية، التي ينبثق منها سؤال مركزي: هل تكون روما محطة لتسريع تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في واشنطن، أم أنها تكشف أن الاتفاق لم يقفل كل الملفات، وأن كل خطوة ميدانية ستحتاج إلى تفاوض إضافي؟ بمعنى آخر، هل نحن أمام بداية انسحاب، أم أمام مسار طويل من التفاوض على الانسحاب نفسه؟

انسحاب أم تفاوض على الانسحاب؟
قُدّمت "المناطق التجريبية" بوصفها بداية عملية للانسحاب، وبالتالي الاختبار الأول لاتفاق واشنطن. الفكرة، في ظاهرها، بسيطة: تنسحب إسرائيل من مناطق محددة، ينتشر الجيش اللبناني فيها، ثم يُبنى على التجربة لتوسيع الانسحاب في مراحل لاحقة. لكنّ هذه البساطة الظاهرية تخفي تعقيدًا أكبر، فالحديث عن جولة جديدة في روما يوحي بأن التنفيذ لم يعد تلقائيًا ولا حتى مضمونًا.
وبات واضحًا أنّ إسرائيل لا تتعامل مع الانسحاب كاستحقاق مستقل، إنما كمسار مرتبط بضمانات وشروط وتقييمات متجددة في كل محطة. لذلك، لا تبدو مستعجلة في الانتقال من التوقيع إلى التنفيذ الكامل، بل تحاول إبقاء كل مرحلة خاضعة للتقييم. واللافت أن الجدل يدور تحديدًا حول بلدات تُطرح بوصفها أولى المناطق المشمولة بالمرحلة التجريبية، رغم أن جهات محلية فيها تؤكد أنها غير محتلة أصلًا، وأن الجيش الإسرائيلي لم يدخلها فعليًا طوال المرحلة السابقة.
هذا التفصيل وحده يفتح الباب على تساؤل أوسع: إذا كانت "التجربة" الأولى تجري في بلدات غير محتلة أساسًا، فما الذي يعنيه الحديث عن انسحاب حقيقي من مناطق ما زالت واقعة فعليًا تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة؟ الخطر هنا أن تتحول "التجربة" إلى قاعدة. فإذا احتاجت كل بلدة إلى تفاوض، وكل انسحاب إلى موافقة إضافية، وكل مرحلة إلى شروط جديدة، يفقد الاتفاق وظيفته الأساسية، فلا يعود طريقًا إلى الانسحاب، إنما إطارًا لإدارته ببطء شديد.

لبنان بين استعجال التنفيذ وشروط إسرائيل
بالنسبة إلى لبنان، تبدو الحاجة إلى نتيجة ملموسة ملحّة. فبقاء الاتفاق في دائرة الكلام يضعف موقع الحكومة، ويزيد الضغط على الجيش، ويمنح المعترضين في الداخل مادة إضافية للقول إن واشنطن لم تنتج انسحابًا فعليًا، بعكس ما أوحت الحكومة عندما دافعت عن الاتفاق في وجه الانتقادات التي وضعته في خانة التنازلات المجانية. لذلك، يصبح بدء المرحلة التجريبية حاجة سياسية لبنانية، لا مجرد تفصيل ميداني عابر.
في المقابل، تسعى إسرائيل إلى إبقاء يدها على إيقاع التنفيذ بالكامل. فهي تريد ضمانات قبل كل خطوة، وتربط كل مرحلة بسلوك الجيش اللبناني وبما تعتبره تهديدات أمنية قائمة. وهذا ما يجعل المسار قابلًا للتأجيل في كل مرة ترى فيها تل أبيب أن الشروط لم تكتمل بعد. وهذا يعني عمليًا أن تل أبيب قد تستخدم كل تفصيل لتأخير المرحلة التالية، من وضع الجيش على الأرض إلى أي حادثة أمنية أو اعتراض داخلي.
من هنا، قد تصبح جولة روما اختبارًا مبكرًا للاتفاق نفسه: فإذا خرجت بجدول واضح للانسحاب، يمكن القول إن مسار واشنطن بدأ يتحول فعليًا إلى تنفيذ. أما إذا خرجت بجولة جديدة من العموميات، واكتفت بتدوير العناوين نفسها، أو فتحت الباب أمام شروط إضافية، فسيكون ذلك مؤشرًا إلى أن الاتفاق دخل مبكرًا جدًا في دوامة تفاوضية طويلة، تُبقي الجنوب رهينة محطات متكررة من "الاختبار" بلا أفق واضح.

المشكلة إذًا ليست في أن تُستكمل المفاوضات، إنما في أن تتحول إلى بديل عن التنفيذ. فلبنان لا يحتاج إلى مسار تفاوضي جديد بقدر ما يحتاج إلى جدول انسحاب واضح ومُلزم. وإذا كان اتفاق واشنطن قد وُقّع لكي يفتح طريق العودة إلى الجنوب، فإن أول اختبار حقيقي له في روما سيكون بسيطًا: هل يقرّب الانسحاب فعليًا، أم يمنح إسرائيل وقتًا إضافيًا لإدارته على دفعات وشروط متتالية؟
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا