لم يعد اتفاق واشنطن بين لبنان و إسرائيل مجرّد ورقة أمنية قابلة للقياس بعدد القرى التي تنسحب منها إسرائيل، أو بعدد الوحدات التي ينتشر فيها الجيش اللبناني . فكلما تقدّم النقاش في تفاصيله، تراجع السؤال الميداني خطوة إلى الخلف، وبرز سؤال أعمق وأكثر إلحاحًا: من يملك حق إلزام لبنان بمسار بهذا الحجم: الحكومة التي وقّعت، أم المؤسسات التي يفترض أن تناقش، أم الوسيط الأميركي الذي يريد أن يرعى الاتفاق ويفسر آليات تنفيذه؟
في الظاهر، يُقدَّم الاتفاق بوصفه طريقًا لاستعادة السيادة اللبنانية. فهو يتحدث عن انسحاب إسرائيلي، وانتشار للجيش، وإعادة إعمار، وعودة للنازحين، ووقف للأعمال العدائية. غير أن المفارقة تكمن في أن النص الذي يفترض أن يعيد تثبيت سيادة الدولة، يفتح في الوقت نفسه أسئلة حول هذه السيادة نفسها، من آليات اتخاذ القرار، إلى دور البرلمان، وحدود التفويض الممنوح للجانب الأميركي، وحق لبنان في اللجوء إلى المحافل الدولية لمحاسبة إسرائيل على ما ارتكبته خلال الحرب.
بهذا المعنى، لا يضع اتفاق واشنطن لبنان أمام اختبار تنفيذي فحسب، إنما أمام اختبار شرعية بمعناه الكامل. فهو لا يتناول ملفًا تقنيًا معزولًا، بل يلامس قضايا الحرب والسلم، والحدود، والجيش، وسلاح " حزب الله "، والعلاقة مع إسرائيل. لذلك، فإن السؤال عن شرعيته ليس اعتراضًا على المبدأ، بقدر ما هو سؤال عن الطريقة التي يُراد بها نقل لبنان من واقع إلى آخر، من دون أن يتضح ما إذا كانت مؤسساته قادرة على مواكبة هذا التحول أو مساءلته.
يتغذى هذا السؤال من جدل قائم فعليًا داخل المجال السياسي والقانوني اللبناني حول طبيعة النص نفسه: هل هو "اتفاق إطار" بالمعنى الملزم، أم مجرّد "صيغة إطار" تحتفظ لكل طرف بهامش تأويل واسع؟ وهل تُستعاد السيادة باتفاق لا تزال طبيعته الدستورية والسياسية موضع التباس؟ وهل يمكن أن يصبح القرار الوطني أكثر صلابة إذا جرى تمرير واحدة من أخطر لحظاته خارج نقاش مؤسسي واضح؟
اتفاق يستعيد السيادة أم يختصر مؤسساتها؟
من الطبيعي أن تبحث الدولة اللبنانية عن مخرج من الحرب، بعدما وصلت البلاد بسببها إلى وضع لا يُطاق. فالجنوب لم يعد يحتمل البقاء تحت النار، والنازحون يحتاجون إلى عودة آمنة، وقد عانوا الأمرّين خلال أشهر التهجير الطويلة، والجيش يحتاج إلى فرصة فعلية لبسط حضوره، والبلد بأسره لا يملك ترف البقاء في انتظار معادلة عسكرية مفتوحة. بهذا المعنى، لا يمكن التعامل مع أي مسار يفتح باب التهدئة والانسحاب كأنه تفصيل عابر أو مجرد مناورة دبلوماسية.
غير أن الحاجة إلى الاتفاق لا تكفي وحدها لمنحه شرعية مكتملة. فحين يمسّ النص مسائل كبرى من نوع الانسحاب، والترتيبات الأمنية، وحصر السلاح، والعلاقة مع إسرائيل، لا يعود ممكنًا إبقاؤه في منطقة رمادية بين "إعلان نوايا" و"التزام سياسي". فإذا كان الإطار غير ملزم قانونيًا كما جرى توصيفه رسميًا، لماذا يُطلب من لبنان تنفيذ بنوده على الأرض بكل هذه الجدية؟ وإذا كان ملزمًا فعليًا من حيث الأثر، فلماذا لا يخضع لنقاش مؤسسي واضح يمرّ عبر الآليات الدستورية المعتمدة لإقرار الاتفاقات الدولية؟
هذا التناقض بين التوصيف والأثر هو جوهر أزمة الشرعية. فحين تُصاغ التزامات تمسّ سيادة الدولة وأمنها القومي بلغة "التفاهمات السياسية" بدل لغة "المعاهدات"، فإن الهدف الضمني يكون غالبًا تفادي المرور بمسار رقابي أو تشريعي قد يُبطئ التنفيذ أو يُعقّده. والخطر هنا ليس أن يناقش البرلمان الاتفاق بعد توقيعه وبعد بدء تطبيقه فحسب، إنما أن يتحول البرلمان بأكمله إلى شاهد لاحق على مسار رُسم واتُّخذ بمعزل عنه، بينما يُطلب من الجيش والدولة والمجتمع اللبناني دفع ثمنه ميدانيًا وسياسيًا من دون أن يكون لهم كلمة واضحة في صياغته.
البند 13... حين تصبح المحاسبة موضع تفاوض
تتضاعف حساسية هذا النقاش عند التوقف أمام "البند 13" المتعلق بوقف الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية والقانونية الدولية. فإذا كان الجدل الدستوري يطرح سؤال "من يقرر"، فإن هذا البند يأتي ليطرح سؤالًا أكثر إيلامًا: "من يدفع ثمن التهدئة؟".
في القراءة الأولى، قد يبدو هذا البند جزءًا طبيعيًا من أي مسار تهدئة، إذ يُفترض أن يخفف التصعيد بين الطرفين ويفتح الطريق أمام مرحلة سياسية جديدة. غير أن الصياغة الواسعة والفضفاضة تفتح بابًا آخر: هل يمكن أن تُستخدم لاحقًا لتقييد حق لبنان في ملاحقة إسرائيل أو توثيق انتهاكاتها أو المطالبة بالتعويضات عن الأضرار التي خلّفتها الحرب؟
هنا لا يعود الحديث عن مسألة تقنية هامشية، إنما عن جوهر السيادة نفسها: في بلد لا تزال ذاكرته مثقلة بالاعتداءات والحروب غير المحاسَبة، يصبح أي غموض حول حق الضحايا في العدالة مصدر قلق مشروع. فهل تملك السلطة التنفيذية صلاحية تقييد مسارات العدالة والمحاسبة باسم التهدئة أو تسهيل التنفيذ؟ وهل يُعقل أن يُطلب من عائلات ضحايا الحرب الانتظار حتى يكتمل الانسحاب، ليكتشفوا لاحقًا أن الاتفاق نفسه ضيّق عليهم أبواب المطالبة بحقوقهم؟
في هذا السياق، حذر خبراء قانونيون وحقوقيون من أن صياغات بهذا الاتساع قد تُستخدم لعرقلة مسارات محاسبة إسرائيل، أو حتى للحدّ من إمكانية منح جهات قضائية دولية ولاية على الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية. وإذا كان وقف الحرب ضرورة لا خلاف عليها، فإن وقف المحاسبة ليس جزءًا طبيعيًا أو حتميًا من هذه الضرورة؛ فالعدالة ليست عملًا عدائيًا تجاه أحد، إنما أحد أهم تجليات السيادة الوطنية.
لذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى تفسير لبناني رسمي لهذا البند، لا أن يُترك لتأويلات واشنطن أو تل أبيب أو القوى المتنازعة داخليًا. على الدولة أن تقول بوضوح إن وقف الأعمال العدائية لا يعني التنازل عن حق التوثيق، ولا إقفال باب المطالبة بالتعويض، ولا منع الضحايا أو المؤسسات المعنية من السعي إلى العدالة. فالاتفاق الذي يفتح باب العودة يجب ألا يقفل باب المحاسبة، وإلا بدا كأنه يبدّل شكل الخسارة بدل أن ينهيها.
التنفيذ بلا إجماع.. وصفة لأزمة داخلية؟
على الصعيد السياسي الداخلي، لا تبدو الصورة أقل تعقيدًا. فالمواقف الرافضة لاتفاق واشنطن ليست تفصيلًا يمكن تجاهله، خصوصًا حين تأتي من رئيس مجلس النواب نبيه بري ومن "حزب الله" وحلفائه، الذين يتعاملون مع الاتفاق باعتباره مسارًا مفروضًا قد يدفع لبنان إلى مواجهة داخلية. في المقابل، ترى قوى أخرى أن الدولة لا تستطيع أن تبقى رهينة معادلة السلاح، وأن أي فرصة لانتشار الجيش واستعادة القرار الأمني يجب أن تُلتقط.
بين هذين الموقفين، تبدو الدولة أمام معادلة دقيقة. فهي تحتاج إلى تنفيذ ما يعيد حضورها في الجنوب، لكنها لا تستطيع أن تنفذه كأنه مجرد مطلب خارجي. وتحتاج إلى حصر القرار الأمني بيدها، لكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك عبر آلية تُقدَّم في الداخل كأنها استجابة لشروط إسرائيلية. وتحتاج إلى الضمانة الأميركية، لكنها لا تستطيع أن تجعل هذه الضمانة بديلًا من التفاهم الداخلي أو من الشرعية المؤسساتية.
بهذا المعنى، يُفهم كلام رئيس الحكومة نواف سلام الذي حرص، خلال عرضه الاتفاق على مجلس الوزراء، على التأكيد أن ما جرى "إطار سياسي" ينتج التزامات سياسية لا قانونية، وأنه لا يُعتبر معاهدة نهائية، ولا يُعرض أو يُبرم إلا عبر المؤسسات الدستورية المختصة. ومع أنّ هذا التوصيف الرسمي بدا محاولة لطمأنة المعترضين، إلا أنه يُبقي الباب مفتوحًا أمام التساؤل ذاته: كيف تُدار التزامات بهذا الحجم من دون أن تُحسم طبيعتها القانونية بوضوح؟
في مقابل موقف سلام، يقدّم رئيس مجلس النواب نبيه بري نموذجًا لموقف محسوب بدقة: فهو حذّر من الفتنة بعد توقيع الاتفاق، فيما نقلت وسائل إعلام عنه قوله إن الاتفاق "لن ينفذ"، لكنه في الوقت نفسه لم يطالب صراحةً بإسقاطه كما يفعل حليفه "حزب الله" الذي اعتبره أمينه العام "باطلًا" و"تنازلًا عن السيادة".
ويرى كثيرون أن هذا التمايز بين الرفض الحاسم والاعتراض المفتوح على تسوية يعكس رهانًا على تعديل الاتفاق من الداخل، لا إسقاطه بالكامل، وهو رهان قد ينجح في احتواء الأزمة، كما قد يتحول إلى مصدر تعطيل ممتد إذا لم يُترجم إلى تفاهم فعلي داخل مجلس الوزراء.
امتحان اتفاق واشنطن
في المحصّلة، لا تعني هذه الانقسامات أن لبنان محكوم بالتعطيل الدائم، لكنها تعني أن اتفاقًا بهذا الحجم لا يمكن أن يعيش على الضمانة الأميركية وحدها. فهو يحتاج إلى غطاء داخلي واضح، وإلى تفسير رسمي لبناني موحّد يحدد بدقة: ماذا قُبل فعلًا؟ وماذا رُفض؟ وما الحدود التي لا يحق لأي وسيط، مهما كانت قوته، تجاوزها باسم لبنان.
هنا تحديدًا يكمن مأزق الاتفاق. فنجاحه لا يتوقف على توقيعه في واشنطن، ولا على بيانات الترحيب الأميركية، ولا حتى على الخطوات الميدانية الأولى في الجنوب. نجاحه يتوقف على قدرته على التحول إلى مسار لبناني، أي إلى مسار تستطيع الدولة أن تدافع عنه أمام مواطنيها بوصفه استعادة للسيادة لا مصادرة لها. أما إذا بقي الاتفاق في صورة نص غامض، تدفع واشنطن باتجاهه، وتفسره إسرائيل وفق شروطها، ويرفضه جزء وازن من الداخل، فإنه قد يتحول من مدخل للحل إلى سبب جديد للانقسام.
هكذا، لا يكون امتحان اتفاق واشنطن في الجنوب وحده، إنما في بيروت أيضًا. فإذا كان الهدف المعلن استعادة سيادة الدولة، فإن أول شروط ذلك ألا تُختصر هذه السيادة في نص فضفاض، أو في لجنة تنسيق تقنية، أو في تفسير أميركي لما يجب على لبنان فعله. فالدولة التي تسعى لاستعادة أرضها تحتاج أولًا أن تثبت أنها تملك قرارها، وأن حقها في المحاسبة لا يقل أهمية عن حقها في الانتشار العسكري، وأن السيادة لا يمكن أن تُجزّأ بين جنوب يُدار أمنيًا، وبرلمان يُستدعى لاحقًا كشاهد، وعدالة يُطلب منها الصمت مقابل الاستقرار.
المصدر:
النشرة