سطع اسم القديس الراهب أندريه روبليف (1360-1430م) كسطوع الشمس في الكنيسة الأرثوذكسية عامة، وفي الكنيسة الروسية خاصة، التي أعلنت قداسته عام 1988م. اشتهر القديس كأحد كبار الإيقونوغرافيين، ومن أهم أعماله أيقونة الثالوث القدوس الموجودة في لافرا القديس سرجيوس، في كاتدرائية الثالوث القدوس في روسيّا.
لا نعرف عنه الكثير، كأنه نجم مضيء مرّ في فلك الرب وترك بصمات نور بأيقوناته النورانية التي صوّرها بيده التي ما انفكت تحمل مسبحة الصلاة وتُصلي. فجاءت تصاويره ترجمةً لنقاوة قلبه الذي كان يسبّح الرب يسوع المسيح ويمجّده. وهذا يشكّل أول درس للمؤمنين، وهو أن الأيقونة تُصوَّر وتُكتب بأنامل من نور الرب المنسكب على الإنسان المصلّي، وذلك ترجمة لما نقوله: «وبنورك نعاين النور، وبنورك نخطّ النور».
مما لا شك فيه أنه تدرّب على يد كبار المصوّرين في الفن الإيقونوغرافي، أمثال ثيوفانوس اليوناني الذي أتى إلى روسيا ، وشارك معه كمتدرّب في تصوير أيقونات كاتدرائية البشارة في الكرملين، بالإضافة إلى بروخور دي غوروديتس (Prokhor de Gorodets).
كما شارك في تصوير أيقونات كاتدرائية الرقاد في فلاديمير عام 1408م، وكاتدرائية الثالوث القدوس في دير الثالوث للقديس سيرجيوس بين عامي 1425 و1427م.
وكانت آخر أعماله جداريات كاتدرائية المخلّص في دير أندرونيكوف في موسكو ، وقد يكون له أعمال أخرى غير موثّقة.
عودةً إلى أيقونة الثالوث القدوس، انطلق روبليف في تصويرها من حادثة ضيافة إبراهيم (تكوين 18)، حيث كان الأخير جالسًا عند باب خيمته بالقرب من بلوطات ممرا، فظهر له الرب في هيئة ثلاثة رجال: الرب وملاكان، وقال له إبراهيم: «يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلَا تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ». وقد قدّم إبراهيم لهم الضيافة، ووعده الرب بأن سارة امرأته ستلد. ويعتبر الآباء القديسون هذه الحادثة بمثابة صورة رمزية عن الثالوث القدوس، خاصة أن إبراهيم كان يكلّمهم تارةً بالمفرد وتارةً بالجمع، وهم أيضًا كانوا يظهرون في وحدةٍ عجيبة في التنوع.
تنقلنا أيقونته إلى الملكوت السماوي بصفائها وهدوئها وانسجام الملائكة الثلاثة فيها، التي تمثل الآب والابن والروح القدس. جمالٌ ما بعده جمال؛ فمن ينظر إليها لا يكتفي، بل تأخذه الأيقونة في رحلة ملكوتية لا حدود لها، حيث السكينة والسلام والهدوء والمحبة بحضورٍ طاغٍ.
أراد روبليف من خلال أيقونته الإشارة إلى وحدة الثالوث القدوس والحضور الإلهي، وأيضًا إلى التدبير الإلهي الخلاصي للبشر وتجسد الرب يسوع المسيح. لذلك نجد أن وجوه الملائكة الثلاثة متقاربة إلى حدّ كبير، وكأنها تعكس وحدة الطبيعة الإلهية، كما في قول يسوع: «الذي رآني فقد رأى الآب» (يوحنا 14: 9).
ومع أن قصد روبليف لم يكن تحديد هوية كل ملاك بشكل مباشر، فإن التفسير التقليدي الغالب يرى أن الملاك من الجهة اليسرى يرمز إلى الآب، وخلفه البناء كإشارة إلى المنزل الأبوي، مستحضرًا قول الرب: «في بيت أبي منازل كثيرة… أنا أمضي لأُعدّ لكم مكانًا» (يوحنا 14: 2).
أما الملاك في الوسط فيرمز إلى الابن، وخلفه شجرة الحياة التي لا تقتصر على الإشارة إلى بلوطات ممرا، بل تمتد لتشير إلى الصليب. والملاك من الجهة اليمنى يرمز إلى الروح القدس، وخلفه الجبال التي تشير إلى حضور الله في الغمام كما في خبر موسى وإيليا والتجلّي، حيث يصبح الجبل رمزًا للصعود، إذ الروح القدس يقدّس ويرفع الإنسان نحو الله.
وهناك إيقاع دائري يجمع الملائكة الثلاثة، فنلاحظ أن الابن والروح القدس ينحنيان نحو الآب، في إشارة إلى أن الابن مولود من الآب، وأن الروح القدس منبثق من الآب، وأن الولادة والانبثاق قد تمّا خارج حدود الزمن، قبل كل الدهور.
وتتجلّى بينهم شركة المحبة في حركة دائمة لا تنقطع، وهو ما يعبّر عنه الآباء القدّيسون بمصطلح περιχώρησις - Perichōrēsis، أي السكنى المتبادلة والاحتواء المتبادل بين الأقانيم الإلهية. فهي تشير إلى الحضور المتبادل والمشيئة الثالوثية الواحدة، بحيث لا يعمل أقنوم بمعزل عن الآخر، مع بقاء الخصوصية الأقنومية لكل واحد منهم. إنها شركة حياة أبدية لا تنتهي، ووحدة محبة كاملة.
كما نلاحظ وجود فسحة في مقدمة المائدة، وكأنها دعوة موجّهة إلى كل إنسان للدخول في شركة الثالوث القدوس، والاشتراك، بالنعمة، في الحياة الإلهية، لا في الجوهر الإلهي، تحقيقًا لدعوة التألّه.
لا يوجد على المائدة سوى الكأس، وداخلها رأس عجلٍ مذبوح. وهذه الذبيحة تتجاوز معنى ضيافة إبراهيم، إذ ترمز إلى كأس الإفخارستيا وإلى ذبيحة الرب يسوع المسيح التي قدّمها على الصليب. لذلك نرى الملاك الجالس في الوسط، الذي يرمز إلى الابن، مطأطئ الرأس في إشارة إلى قبوله الآلام والصلب طوعًا، بينما يبارك الكأس بيده اليمنى.
كما يشير الآب بيده إلى الكأس، وكأنه يعلن: «هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ» (إشعياء 42: 1؛ متى 3: 17)، فيما يقف الروح القدس شاهدًا وحاضرًا في هذا التدبير الخلاصي. وهكذا، تتكلم الأيقونة بأسرها وتعلن سرّ خلاص الرب للبشرية.
أما الألوان، فتتنوع بين الذهبي عند الآب، في إشارة إلى النور الإلهي غير المخلوق، والقرمزي عند الابن، رمزًا إلى الذبيحة والفداء، والأخضر عند الروح القدس، علامةً للحياة الجديدة والتقديس. ويظهر اللون الأزرق عند الأقانيم الثلاثة جميعًا، دلالةً على الألوهة الواحدة، كما نجده في رداء الابن، حيث يقترن أيضًا بلون التجسد، تأكيدًا بأن يسوع المسيح هو إله كامل وإنسان كامل.
وتعبّر أجنحة الملائكة عن البعد السماوي والملكوتي، وعن الطابع الروحي والإلهي الذي يميّز الأيقونة بأسرها.
في الخلاصة، تدعونا أيقونة الثالوث القدوس إلى الدخول في شركة المحبة الإلهية، والعيش بروح البذل والتضحية والعطاء، والسير في طريق التأله بالنعمة، حتى نبلغ الملكوت السماوي.
إلى الرب نطلب.
المصدر:
النشرة