آخر الأخبار

اتفاق إطار وصيغة إطار: التسمية لا تصنع إنهاء النزاع

شارك

يُمثّل التمييز بين "اتفاق إطار" و"صيغة إطار" نقطةً أساسية لفهم طبيعة المقاربة ال لبنان ية في التعامل مع الترتيبات المصاغة برعاية دولية في سياق النزاع مع إسرائيل . فـ" اتفاق الإطار " في المفهوم الدبلوماسي والقانوني وثيقةٌ سياسية موقَّعة بين أطراف محددة تُلزمهم بمجموعة مبادئ وخطوات تنفيذية عامة، وتُشكّل قاعدة لانطلاق مسار تفاوضي أو تنفيذي أكثر تفصيلاً. أما " صيغة الإطار " فتوصيفٌ أقل صرامة يُستخدم للإشارة إلى مسوّدة أو هيكلية عامة للتفاهم دون تثبيت كامل للالتزامات في صيغة اتفاق مكتمل العناصر القانونية والسياسية.

واللافت اعتمادُ رئاسة الجمهورية تسمية "صيغة إطار" بدلاً من "اتفاق إطار"، وهو ما يمكن قراءته في منطق التخفيف من الهجمات السياسية الداخلية أكثر من كونه التزاماً بمنطق قانوني. فالتسمية الأخف تُستخدم عادةً لتقليص الإيحاء بأن الدولة دخلت في اتفاق سياسي نهائي أو شبه نهائي مع إسرائيل، وتفادياً لما قد يُرافق ذلك من حساسيات تتعلق بمفهوم التطبيع أو مستوى الاعتراف المتبادل. كما تُتيح هذه الصيغة إبقاء هامش تفسير واسع لطبيعة الالتزامات، بحيث يمكن اعتبار ما جرى التوافق عليه إطاراً عاماً لترتيبات تقنية أو أمنية لا تسويةً سياسية مكتملة.

انطلاقاً من هذا التمييز، يمكن فهم ما تم التوصل إليه في واشنطن آليةً لإدارة النزاع أكثر منه أداةً لإنهائه. فهذه الترتيبات تقوم عادةً على ثلاثة أعمدة: مبادئ عامة لخفض التصعيد، وآليات مراقبة ميدانية مشتركة، ورعاية دولية-أميركية في هذه الحالة-تضطلع بدور الوسيط والضامن السياسي. غير أن الإشكالية تكمن في الفجوة بين الالتزام السياسي والقدرة على التنفيذ الفعلي، خصوصاً بعد تجارب آليات المراقبة كـ"الميكانيزم" واللجان الثلاثية المماثلة التي تتولى متابعة الخروقات وتنسيق الاتصالات بين الأطراف؛ إذ تفتقر إلى أدوات إلزام حقيقية، بدليل فشل لجنة "الميكانيزم" فشلاً تاماً منذ عام 2024، وإجهاض فكرة اللجنة الثلاثية التي تضمّنها اتفاق الإطار من قِبَل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزراء حكومته الذين لا يُفوّتون فرصة للتشديد على بقاء القوات الإسرائيلية في لبنان إلى أجل غير مسمى.

والتجربة العملية لهذه النماذج تُظهر أن الوسيط الأميركي ، رغم أهميته السياسية، يبقى دوره شكلياً في مجال الإلزام؛ مما يجعل فاعلية الآلية رهينة مدى استعداد الأطراف أنفسهم للالتزام ومدى الضغط السياسي الذي يستطيع الوسيط ممارسته، لا سلطةً تنفيذية ملزِمة.

وفي هذا السياق يبرز عنصر آخر يتعلق بعدم التوازن في الالتزامات؛ إذ كثيراً ما تُصاغ الالتزامات الأمنية بطريقة تُحمّل الدولة اللبنانية أعباءً داخلية أكثر تعقيداً، فالسيطرة على مناطق جنوبية ولو عبر "مناطق نموذجية" تفرض على لبنان التزامات بعينها بينما يبقى الطرف الآخر حراً في تقدير الضرورات والتهديدات الأمنية.

أما الحديث عن البعد القانوني المتعلق بتعليق الدعاوى بين الأطراف، فلا يعني التعليقُ في مثل هذه الحالة إسقاطَ الحق القانوني بل تجميد استخدامه رسمياً خلال فترة محددة. وعلى الرغم من صحة ذلك، فإن هذا التجميد ينعكس عملياً على قدرة الدولة في تفعيل أدواتها القانونية والدبلوماسية، فيما يُقلّص غيابُ الدعم الرسمي من وزن التحركات القانونية غير الحكومية.

وبناءً على ذلك، يمكن قراءة هذه الصيغة من الاتفاقات نموذجاً لإدارة النزاع في حالته المستمرة لا لتسويته النهائية؛ إذ تُنتج استقراراً ناقصاً قائماً على ضبط التصعيد بدلاً من معالجة جذوره. وبالتالي، فإن استخدام مصطلح "صيغة إطار" لن يُعوَّض عن نقاط الضعف التي يتضمّنها هذا الاتفاق إلا بتنفيذ البنود التي يطالب بها اللبنانيون جميعاً: الانسحاب الإسرائيلي السريع، ووقف إطلاق النار الفعلي والشامل لا الانتقائي، وعودة النازحين إلى مناطقهم ومنازلهم دون شروط وضمن جدول زمني واضح. عندها سيتضح أن فجوة الانقسام في لبنان ستتقلّص كثيراً، ولن تبلغ حدة الاختلاف حدَّ الفتنة أو المواجهات التي من شأنها زعزعة الاستقرار، وحتماً سيتراجع الحديث عن الحرب الأهلية.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا