في خطوة سبق أن حصل مثلها في العام 1983، وقّعت
بيروت وتل أبيب، برعاية أميركية، يوم الجمعة الماضي، اتفاق إطار للتفاوض، وُصف في الإعلام الغربي وبعض الإعلام اللبناني بأنه “خطوة تاريخية نحو الاستقرار”، مع تسليم الكثيرين من سياسيين وناشطين بأن هذا الاتفاق يتضمن الكثير من العبارات المطاطة التي تحتمل تفسيرات متناقضة وملتبسة، لا سيما أن صياغته الفضفاضة تفتقر إلى التفاصيل الملزمة، وتتحاشى الإجابة عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالسيادة والحدود والمستقبل الفعلي لسلاح المقاومة خارج جنوب الليطاني، ما أتاح لكل طرف أن يقرأه وفق مصلحته، وأن يبني عليه روايته الخاصة، ويشيّد “انتصارات” لم تكتمل… وقد لا تكتمل.
ولعل هذا الغموض المقصود هو أول ما يكشف عن طبيعة هذا الاتفاق: وثيقة سياسية بامتياز، قبل أن تكون اتفاقاً أمنياً أو دبلوماسياً حقيقياً. وقد رحّب به رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وانضمت إليهما أحزاب مسيحية وإسلامية سنّية عدة. في المقابل، رفضه رئيس مجلس النواب ومعه “الثنائي الشيعي” وشخصيات من طوائف مختلفة تنتمي إلى محوره السياسي. هذا الانقسام الحاد يعني، ببساطة، أن الاتفاق لا يحظى بإجماع لبناني، وأن تسويقه بوصفه تعبيراً عن إرادة الدولة
اللبنانية ينطوي على قدر كبير من المبالغة. قد يكون يعبر عن إرادة الحكم ومروحة واسعة من اللبنانيين، لكنه يفتقد صفة “الإجماع الوطني” الذي تقتضيه مثل هذه الاتفاقات التي تحدد مصير البلد ومستقبله، علماً أن استمرار الوضع الراهن يزيد من انهيار الدولة، ويحدّ من ممارسة سلطتها الشرعية على أراضيها كافة، ويحفظ لها حقها الدستوري في قرار الحرب والسلم.
ترامب وحسابات “النصر”
يرى مراقبون أنه لا يمكن فهم هذا الاتفاق بمعزل عن السياق الأميركي الداخلي. فالرئيس دونالد ترامب، العائد إلى البيت الأبيض، يبحث بنهم عن انتصارات قابلة للتسويق، وعن ملفات يستطيع أن يُعلن إغلاقها أمام ناخبيه. وقد باتت ظاهرة “إنهاء الحروب” من سمات أسلوبه السياسي، سواء أُغلقت فعلاً أم لا، خصوصاً مع اقتراب استحقاق الانتخابات النصفية التي يجد صعوبة في ضمان فوز حزبه بها، ناهيك عما يلقاه من معارضة في الكونغرس وداخل حزبه.
إلا أن
لبنان ، في هذه المعادلة، ليس أولوية أميركية استراتيجية بقدر ما هو فرصة لاستثمار دبلوماسي سريع. وفي هذا السياق، كان الضغط للتوقيع متسرعاً ومحكوماً بأجندة انتخابية وإعلامية أكثر من كونه مدروساً وفق مصالح لبنان وشروط استقراره، وهو ما تزامن مع توقيع مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية التي لحظت في بندها الأول وقف النار في لبنان كشرط أساسي لتطبيق باقي البنود.
نتنياهو: مكسب سياسي بلا رصيد ميداني
أما على الضفة
الإسرائيلية ، فبدا نتنياهو مستفيداً سياسياً من اتفاق الإطار على المستوى الداخلي، إذ يوظّفه دليلاً على قدرته على انتزاع تنازلات من خصومه. وهو، لهذه الغاية، أكثر من التصريحات التي تنبئ ببقاء القوات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية المحتلة حتى نزع سلاح “حزب الله”، لضمان أمن المستعمرات المجاورة و”سكان الشمال” الذين عبّروا في أكثر من مناسبة عن عدم ثقتهم بمواقف نتنياهو ولا بالإجراءات التي يتخذها الجيش
الإسرائيلي لحمايتهم.
ولأن “حزب الله” – الغائب عن مفاوضات واشنطن – رفض الاتفاق رفضاً قاطعاً ووصفه بأنه “اتفاق ذل وعار”، مؤكداً أنه غير معني بأي التزامات تنبثق منه، فضلاً عن أن الاتفاق لا يُعالج بوضوح ملف السلاح ولا يُغيّر في موازين القوى على الأرض، فإن أي رهان إسرائيلي على هدوء أمني مديد يظل مجرد أمنية غير مضمونة. وهو ما تبدي
إسرائيل قلقها منه، الأمر الذي جعلها تبقي قواتها في المناطق المحتلة، وتواصل اعتداءاتها من وقت إلى آخر، وتستهدف – حتى بعد الإعلان عن الاتفاق – القرى والأفراد، وتمنع عودة الأهالي إلى بعض البلدات المحتلة.
شبح الفتنة
الخطر الأكثر إلحاحاً هو الخطر الداخلي. فالأتفاق جدّد مخاوف جدية من احتمالات الفتنة إذا ما سُعي إلى تطبيقه قسراً. فاللبنانيون لا يحتاجون إلى التاريخ البعيد ليتذكروا كيف تتحول الخلافات السياسية الحادة إلى توترات أمنية، وكيف تبدأ التظاهرات احتجاجاً وتنتهي مواجهات وقطيعة. ذلك أن الضغط على مكوّن شيعي واسع ومتجذّر يرفض هذا الاتفاق، من دون معالجة جذور رفضه، ليس حلاً، بل هو وصفة جاهزة لأزمة أعمق، لا سيما أن الاتفاق الإطار لا يلحظ “انسحاباً” إسرائيلياً من الأراضي اللبنانية المحتلة، بل يتحدث عن “إعادة انتشار” للقوات الإسرائيلية على مراحل، وتبعاً لما سيتحقق من نزع سلاح “حزب الله” من “كل الأراضي اللبنانية”، وليس جنوب الليطاني فقط، وكل ذلك من دون جدول زمني للانسحاب أو حتى “إعادة الانتشار”.
إيران: الشريك الغائب الحاضر
ثمة معطى بالغ الأهمية غالباً ما يُهمَل في التحليل: إيران وقّعت مع
الولايات المتحدة مذكرة تفاهم في مفاوضات سويسرا، غير أنها لم تُبدِ قبولاً علنياً بهذا الاتفاق اللبناني–الإسرائيلي. وهذا التناقض ذو دلالة بالغة؛ فإن لم تُمارس طهران ضغطاً على “الحزب” لالتزام ما جاء في الاتفاق، فإن تطبيقه يغدو متعذراً، وربما مستحيلاً. ومن هنا يطرح المحللون سؤالاً مشروعاً: هل ثمة تفاهمات سرية بين واشنطن وطهران لم تُكشف بعد؟ وهل اتفاق سويسرا الأشمل يرتبط بهذا الملف بشكل ما؟ إن الغموض القائم يُجيز طرح هذه الأسئلة، وغياب الإجابات يُفاقم حالة عدم اليقين، وسط كلام إسرائيلي كثير عن “انتصارات” تحققت، و”تقنين” لبناني رسمي كبير، ومقاربة غير مقبولة في عدم مصارحة اللبنانيين والإجابة عن هواجسهم عبر
وسائل الإعلام .
الجيش اللبناني في مواجهة المعادلة المستحيلة
في ضوء ما تقدم، يجد الجيش نفسه مرة أخرى في موقع محرج. فأي ضغط لتطبيق الاتفاق على الأرض سيضعه أمام خيارات بالغة الحساسية: إما الصدام مع بيئة شعبية واسعة، وإما التقصير في تنفيذ التزامات دولية. وفي الحالتين، تتضرر مؤسسة الجيش، وهي المؤسسة الوطنية الأكثر تماسكاً والأقل احتمالاً لتحمّل كلفة هذه الارتدادات. وقد قيل الكثير عن “تمايز” في المواقف بين القيادتين العسكرية والسياسية في مقاربة ما كان يدور في واشنطن من مفاوضات وما تلاها من قرارات ، على رغم النفي المتكرر الذي اعلنته مرجعيات رسمية .
درسٌ من 17 أيار
في الخلاصة، يرى مراقبون وسياسيون من ذوي الخبرة أنه يصعب الإفلات من المقارنة التاريخية مع اتفاق 17 أيار 1983 الذي وقّعه لبنان مع إسرائيل برعاية أميركية في عهد الرئيس أمين الجميل، وانتهى إلى الإلغاء تحت وطأة الرفض الداخلي والضغوط الإقليمية. صحيح أن الظروف مختلفة اليوم، وأن موازين القوى الإقليمية تبدّلت؛ فالنظام السوري تغيّر، ومعمر القذافي لم يعد موجوداً، والاتحاد السوفياتي ذاب، والتأثير الفلسطيني انحسر، و”الحركة الوطنية” باتت أثراً بعد عين… إلا أن المنطق السياسي ذاته لا يزال حاضراً: أي اتفاق يُبرم من دون توافق وطني لبناني حقيقي، ويتجاهل قوى فاعلة على الأرض، مصيره الإجهاض.
من هنا، يرى “العقلاء” من أهل السياسة أنه تقع على عاتق الحكم اللبناني، ولا سيما رئيس الجمهورية الذي يتمتع بحضور مميز لدى اللبنانيين ولديه ما يكفي من الدعم الإقليمي والدولي، مسؤولية تاريخية عاجلة: المبادرة الفورية إلى الحوار الداخلي، واستيعاب الموقف، والحد من تعميق الانقسام، وإعادة وصل ما انقطع مع المكوّن الشيعي قبل أن يتصلّب التباعد ويتحول إلى قطيعة لن تُكبّل السياسة وحدها، بل قد تُشعل الشارع وتُعيد لبنان إلى دوامة أزماته الأمنية. وللمرة الألف في تاريخه، يقف لبنان أمام خيار بسيط في صياغته ومعقّد في تنفيذه: التوافق أو الانهيار !