تنعقد الجولة الخامسة من مفاوضات
واشنطن حول
لبنان في لحظة تبدو أكثر ازدحامًا من الجولات السابقة. فالجنوب لا يزال يعيش تحت وقع الخروقات والضربات
الإسرائيلية ، فيما تحاول الديبلوماسية الأميركية أن تنقل النقاش من مرحلة تثبيت وقف النار إلى مرحلة البحث في آليات تطبيقه. بين الطاولة في واشنطن والميدان في الجنوب، يظهر التناقض واضحًا: التفاوض يتقدم، لكن اختبار الأمن لم يُحسم بعد.
خير دليل على ذلك الانتهاك الذي سُجّل في اليوم نفسه الذي انعقدت فيه هذه الجولة، حين أطلقت القوات الإسرائيلية النار على أشخاص كانوا بالقرب من جرافة تعمل على فتح طريق في حي الدير ببلدة النبطية الفوقا، فاستشهد شابان وجُرح آخرون. وقد برّر الجيش
الإسرائيلي ذلك بمزاعمه المكررة عن استهداف من يصفهم بـ"المخرّبين"، وهو توصيف بات يُطلَق حتى على أهالي القرى المدنيين.
وعلى رغم ذلك، ثمّة ما يدفع إلى الاعتقاد بأنّ هذه الجولة من المفاوضات مختلفة عن سابقاتها، من حيث السياق بالحدّ الأدنى، مع دخول عناصر جديدة على الخط، أبرزها الاتفاق الأميركي-الإيراني في سويسرا، وما تردد عن إنشاء خلية لفض النزاعات أو خفض التصعيد، إضافة إلى الإشارات التي تحدثت عن رغبة واشنطن في تقليص هامش الحركة الإسرائيلية في لبنان. من هنا، فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل تحمل الجولة الخامسة معطيات مختلفة فعلاً، أم أنها أدوات جديدة لإدارة المأزق نفسه؟
ما الذي تغيّر على طاولة الجولة الخامسة؟
لا تأتي هذه الجولة من المفاوضات من فراغ، إذ سبقتها أربع جولات لم تنجح في إنتاج تفاهم نهائي يضمن انسحابًا إسرائيليًا واضحًا، ولا في توفير مظلة داخلية كافية لترتيبات طويلة الأمد. إلا أنّ التغيير الأبرز فيها قد يكون في طبيعة النقاش ذاته، إذ انتقل من العناوين العامة إلى التفاصيل التنفيذية، بدليل أنّ وقف النار لم يعد يُطرَح كإعلان سياسي فقط، إنما كمسار يحتاج إلى مناطق اختبار، وانتشار ميداني، وضمانات مراقبة، وآليات لمعالجة الخروقات.
الجديد الثاني أن الملف اللبناني بات متصلًا أكثر بالمناخ الإقليمي. فالاتفاق الأميركي-الإيراني في سويسرا، وما رافقه من حديث عن آلية لفض النزاعات، يمنح واشنطن قدرة أكبر على القول إن الجنوب اللبناني لم يعد ملفًا منفصلًا عن تهدئة أوسع. هذا لا يعني أن لبنان أصبح ملحقًا بصفقة إقليمية أكبر، لكنه يعني أن أي تعثّر في الجنوب صار له تداعيات تتخطى الجبهة
اللبنانية وحدها.
أما المتغيّر الثالث فهو الأكثر حساسية، ويتمثّل، إذا تأكدت المعلومات بشأنه، في ما تسرّب عن رسالة أميركية لإسرائيل مفادها أنّ تفويض "العمل بلا قيود" في لبنان قد انتهى. وإذا ثبت ما نقلته القناة 13 العبرية عن مسؤول إسرائيلي رفيع، فإن ذلك لا يعني بالضرورة وقفًا فوريًا للعمليات، لكنه يضع كل غارة إسرائيلية في سياق سياسي مختلف، ويجعل من كل خرق ورقة ضغط إضافية يمكن للبنان توظيفها على طاولة التفاوض.
ما الذي لم يتغيّر؟
بعيدًا عن المتغيّرات الجديدة، فإنّ ما لم يتغيّر لا يقل أهمية عمّا تغيّر، ولا سيما أنّ العقدة البنيوية تبقى على حالها. فلبنان يدخل الجولة الخامسة وهو يطالب بجدول واضح للانسحاب الإسرائيلي، وبوقف الاعتداءات، وبعودة الدولة إلى كامل المنطقة الحدودية. في المقابل، لا تزال
إسرائيل تتعامل مع الانسحاب بوصفه خطوة مشروطة، وتربطه بما تسميه إزالة التهديدات ومنع عودة “حزب الله” إلى المواقع القريبة من الحدود. هنا، تكمن العقدة الأساسية التي عطّلت الجولات السابقة، وقد تعطل الحالية أيضًا.
العامل الثاني الغائب عن الطاولة، الحاضر في كل بند، هو "
حزب الله ". فكل بند يتصل بالانتشار جنوبًا، أو حصرية السلاح، أو آليات المراقبة، سيصطدم في النهاية بسؤال داخلي لبناني حول ما إذا كانت الدولة تستطيع أن تلتزم بما تفاوض عليه إذا لم يكن هناك توافق داخلي واضح، علمًا أنّ الحزب يرفض أي صيغة تبدأ بالتزامات لبنانية قبل انسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها، وهذا الموقف يجعل هامش الحركة الرسمي أكثر ضيقًا.
أما إسرائيل، فتتعامل مع الجولة الخامسة بحسابات مزدوجة. فهي لا تريد أن تظهر في موقع من يعرقل الجهد الأميركي، لكنها في الوقت نفسه لا تريد التنازل عن هامش العمليات الذي استخدمته طوال المرحلة الماضية. لذلك تبدو الضغوط الأميركية، إذا كانت جدية هذه المرة، عنصرًا حاسمًا. فنجاح الجولة لا يرتبط فقط بما يوافق عليه لبنان، وإنما بمدى قدرة واشنطن على إلزام إسرائيل بسقف جديد لسلوكها في الجنوب.
في الخلاصة، تبدو الجولة الخامسة مختلفة في سياقها الإقليمي وفي طبيعة النقاشات الميدانية التي تحملها. غير أنها لم تخرج بعد من المعادلة الأصلية التي حكمت الجولات السابقة: انسحاب مقابل ضمانات، وضمانات مقابل سلاح، وسلاح مرتبط بقرار لا تملكه الدولة اللبنانية وحدها. إذا استطاعت واشنطن تحويل الضغط المتراكم على إسرائيل إلى جدول انسحاب تدريجي، وتحويل خلية خفض التصعيد إلى آلية ضمان فعلية، لا مجرد إطار شكلي، فقد تكون هذه الجولة بداية مسار مختلف. أما إذا بقيت الترتيبات محصورة بإدارة الخروقات وتوزيع الالتزامات، فستضاف الجولة الخامسة إلى سجل طويل من
المحطات التي أدارت الأزمة من دون أن تحلّها.