آخر الأخبار

هل يبدأ لبنان بتصنيع سلاحه الخاص؟!

شارك
لم يعد تصنيع السلاح ملفاً عسكرياً بعيداً عن السياسة. خلال السنوات الأخيرة، تحوّل إلى سؤال سيادي عند دول كثيرة: من يملك قرار السلاح؟ ومن يستطيع الاستمرار في الحرب إذا تأخرت الإمدادات أو تبدّلت مواقف الحلفاء؟
هذا السؤال عاد بقوة مع الحروب المفتوحة في أوكرانيا وغزة ولبنان، ومع ارتفاع الإنفاق العسكري العالمي. لم تعد الدول الكبرى تكتفي بشراء السلاح، بل باتت توسّع مصانعها، وتزيد خطوط الإنتاج، وتبحث عن قدرة أكبر على الاكتفاء الذاتي. في المقابل، بقيت الدول الصغيرة والمأزومة أمام معادلة أصعب، ابرزها عملية التمويل الإنفاق العسكري.
بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، سجّلت أكبر 100 شركة لإنتاج السلاح والخدمات العسكرية في العالم إيرادات قياسية بلغت 679 مليار دولار في عام 2024. الرقم لا يعكس فقط تجارة رابحة، بل يعكس أيضاً اتجاهاً عالمياً واضحاً: العالم يعيد التسلّح.
في صدارة المشهد تأتي الولايات المتحدة . فهي ليست فقط أكبر قوة عسكرية، بل أكبر مورد للسلاح في العالم، وتملك شركات دفاعية عملاقة قادرة على التأثير في الحروب والتحالفات والقرارات السياسية. وبعدها تظهر فرنسا وروسيا وألمانيا والصين ضمن كبار مصدّري السلاح، مع صعود واضح لدول أخرى مثل كوريا الجنوبية وتركيا وإسرائيل في قطاعات محددة.
لكن "الأخطر" في عالم السلاح لا يعني دائماً الأكثر إنتاجاً فقط. الأخطر هو من يملك القدرة على تحويل الصناعة إلى نفوذ سياسي. الولايات المتحدة تستخدم السلاح كأداة تحالف وربط استراتيجي. روسيا تستخدم صناعتها العسكرية كجزء من اقتصاد الحرب. الصين تبني قدراتها بهدوء لتقليل الحاجة إلى الخارج. إسرائيل ، رغم اعتمادها الكبير على الدعم الأميركي، تحاول توسيع صناعتها المحلية لأنها تخشى أن تتحوّل القيود السياسية في الغرب إلى ضغط عسكري عليها.
من هنا برز تصريح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، حين تحدث عن ضرورة أن تطوّر إسرائيل صناعاتها العسكرية لا في مجال الأبحاث فقط، بل أيضاً في القدرة على إنتاج ما تحتاجه. ولاحقاً كشف عن خطة بمئات مليارات الشواكل خلال عقد لبناء صناعة ذخائر مستقلة وتقليل الاعتماد على الخارج، حتى على الحلفاء.
هذه النقطة تحديداً تفتح السؤال اللبناني: إذا كانت إسرائيل، وهي الدولة المدعومة أميركياً وعسكرياً، تفكر بتقليل اعتمادها على الخارج، فهل يستطيع لبنان أصلاً التفكير بتصنيع السلاح؟
الجواب الواقعي: ليس بالمعنى الكبير. لبنان لا يملك اليوم اقتصاداً يسمح ببناء صناعة عسكرية ثقيلة، ولا بنية صناعية متقدمة، ولا تمويلاً مستقراً، ولا قراراً دفاعياً موحداً. تصنيع السلاح لا يعني ورشة صغيرة أو قراراً سياسياً فقط، بل منظومة كاملة تشمل المال، البحث العلمي، المصانع، الرقابة، المواد، الاختبارات، التراخيص، الأسواق، والعلاقات الدولية.
حتى لو توفرت بعض القدرات اللبنانية الفردية في الهندسة والميكانيك والتكنولوجيا، فإن تحويلها إلى قطاع دفاعي رسمي يحتاج إلى دولة قوية أولاً. وهنا تكمن المشكلة. لبنان لا يزال يناقش أصل السلاح داخل حدوده، ودور الجيش، وحصرية القرار العسكري، وعلاقة الدولة بسلاح " حزب الله ". في ظل هذا الواقع، أي حديث عن صناعة سلاح سيُقرأ دولياً على أنه ملف أمني حساس، وليس كمشروع صناعي عادي.
العامل الدولي لا يقل أهمية. الولايات المتحدة، وهي الداعم الأساسي للجيش منذ عام 2006، قدّمت مساعدات كبيرة للمؤسسة العسكرية، لكنها بقيت ضمن سقف واضح لا تتعدى تقوية الجيش في الأمن الداخلي، مكافحة الإرهاب، ضبط الحدود، ومواجهة السلاح غير الشرعي، لا تحويله إلى قوة توازن عسكري مع إسرائيل. وهذا السقف جزء من سياسة أميركية أوسع في الشرق الأوسط ، تقوم على الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل.
بمعنى آخر، الدول قد تساعد لبنان ليكون أكثر استقراراً، لكنها لا تمنحه بسهولة قدرات يمكن أن تُقرأ في تل أبيب كتهديد مباشر. وهذا لا ينطبق على لبنان وحده، بل على معظم دول المنطقة عند الحديث عن أسلحة نوعية أو قدرات متقدمة. لذلك، فإن المشكلة ليست فقط في قدرة لبنان على التصنيع، بل في السماح السياسي له بأن يذهب بعيداً في هذا الاتجاه.
مع ذلك، لا يعني ذلك أن لبنان ممنوع من كل شيء. يمكن نظرياً أن يدخل في مجال دفاعي محدود، شرط أن يكون تحت سلطة الدولة وحدها، ومرتبطاً بالجيش، وخاضعاً لرقابة قانونية وشفافة. المقصود هنا ليس صناعة أسلحة ثقيلة، بل تطوير قطاعات مساندة مثل الصيانة العسكرية، تجهيزات الحماية، الآليات غير الهجومية، بعض أنظمة المراقبة الحدودية، والصناعات التي تخفف كلفة الاستيراد من دون أن تضع لبنان في مواجهة مباشرة مع القيود الدولية.
لبنان لا يستطيع اليوم دخول سباق تصنيع السلاح كما تفعل الدول الكبرى أو الدول الإقليمية الصاعدة. لكنه يستطيع، إذا توفرت الإرادة والإصلاح والشفافية، بناء هامش دفاعي محدود يساعد الجيش ويقلل بعض التبعية. أما الصناعة العسكرية الثقيلة، فهي في الوقت الراهن بعيدة اقتصادياً، ومقيّدة سياسياً، ومحكومة بسؤال أكبر: هل يملك لبنان أولاً قرار الحرب والسلم داخل دولته؟
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا