على رغم الأسئلة الكثيرة عن الأسباب الخفية عن حريق الدكوانة أمس، وما يمكن أن تكشفه التحقيقات، التي ستقوم بها
الأجهزة الأمنية المعنية، فإن ما تركه هذا الحريق من أثار بيئية وتلوث الهواء، إذ وصلت رائحة احتراق بطاريات "الليثيوم" إلى المناطق الجبلية المحيطة ببيروت، شمالًا وشرقًا وجنوبًا، أقلق خبراء البيئة، خصوصًا أن هذا الحريق يأتي بعد سلسلة الانفجارات التي قام بها الجيش
الإسرائيلي في
بيروت والجنوب والبقاع.
ولذلك، فإن القلق البيئي الناجم عن هذا الحريق تجاوز حدود الدكوانة والمناطق المحيطة بها، ليتحوّل إلى قضية صحة عامة تستوجب متابعة دقيقة وشفافة من الجهات الرسمية المختصة. فاحتراق بطاريات "الليثيوم" لا يشبه الحرائق التقليدية، إذ يؤدي إلى انبعاث غازات ومواد كيميائية دقيقة قد تبقى عالقة في الهواء لساعات طويلة، وتنتقل بفعل الرياح إلى مسافات بعيدة، وهو ما يفسّر وصول الروائح الخانقة إلى مناطق جبلية بعيدة نسبيًا عن موقع الحريق.
ويشير اختصاصيون بيئيون إلى أن الخطر لا يقتصر على التلوث الهوائي الآني، بل يمتد إلى احتمال ترسّب بعض الجزيئات الضارة في التربة وعلى المزروعات ومصادر المياه، الأمر الذي يستدعي إجراء فحوصات علمية دقيقة لتحديد حجم الأثر البيئي الفعلي، بعيدًا عن التهويل من جهة أو التقليل من حجم المخاطر من جهة أخرى.
ويكتسب هذا الحريق حساسية إضافية لأنه يأتي في مرحلة لا يزال اللبنانيون يعيشون فيها تحت وطأة تداعيات الحرب الأخيرة وما خلّفته من أضرار بيئية غير منظورة بالكامل حتى الآن. فالقصف والانفجارات التي شهدتها مناطق عدة من بيروت والجنوب والبقاع أثارت منذ أشهر تساؤلات حول تأثير المواد المتفجرة والحرائق المتكررة على البيئة والصحة العامة، في ظل ضعف الإمكانات المتاحة لإجراء مسوحات بيئية شاملة ومستقلة.
ومن هنا، فإن التحقيق في أسباب الحريق يبقى ضرورياً لمعرفة ملابساته وتحديد المسؤوليات، إلا أن الأهمية لا تقلّ عن ضرورة إجراء تقييم بيئي عاجل وشفاف لنتائجه. فالمواطن الذي استنشق الدخان ووصلت إليه الروائح السامة لا تعنيه فقط معرفة كيف اندلع الحريق، بل يريد أن يعرف أيضاً ماذا تنفّس، وما هي المخاطر المحتملة على صحته وصحة أطفاله في الأيام والأسابيع المقبلة.
وفي ظل تكرار الحوادث البيئية والصناعية في
لبنان ، يزداد الإلحاح على وضع خطة وطنية متكاملة لإدارة المواد الخطرة وتخزينها ومراقبتها، لأن
الكوارث البيئية لا تنتهي بانطفاء النيران، بل تبدأ أحياناً بعد انحسار الدخان، عندما تظهر آثارها تدريجياً على الإنسان والطبيعة معاً.
قد تكشف التحقيقات الأمنية حقيقة ما جرى في الدكوانة، وقد تحدد المسؤوليات والأسباب، لكن الامتحان الحقيقي يكمن في قدرة
الدولة على طمأنة اللبنانيين علمياً وصحياً. فبين سؤال "من أشعل الحريق؟" وسؤال "ماذا خلّف الحريق؟"، يبدو السؤال الثاني أكثر إلحاحاً، لأنه يتعلق بصحة الناس ومستقبل بيئتهم، وهما
الثروة التي لا يمكن تعويضها مهما بلغت قيمة الخسائر المادية.
وكان مصدر إداري لفت في انصال مع "لبنان٢٤" في وقت متأخر من ليل امس إلى أن الحريق الذي شبّ في مستودع تابع لوزارة الاتصالات وشركة أوجيرو في منطقة الدكوانة ربما يكون مفتعلًا لإخفاء شيء ما.
وأشار المصدر إلى أن الوزارة كانت قد استلمت قبل فترة هبة صينية عبارة عن عدد كبير من بطاريات الليثيوم التي تُستعمل لتحديث
المحطات والسنترالات وتزويدها بالطاقة، وأن هذه البطاريات غالية الثمن. وكان من المفترض إجراء جردة عليها نهاية هذا الأسبوع، فأتى الحريق ليقضي على ما تبقى منها ويخفي ما إذا كان قد حصل اخفاء لبعضها، وهو ما رجّحه المصدر.
كما قال "إن البطاريات لا تزال تحترق حتى الساعة".
وفي السياق، من المقرر ان يتفقّد وزير الاتّصالات شارل الحاج
صباح اليوم موقع الحريق لمتابعة عمليات الإطفاء والاطلاع على الأضرار الناجمة عن الحريق، وفق بيان اصدره مكتبه، داعيا وسائل الاعلام الى مواكبة جولته.