آخر الأخبار

هل يتكرّر سيناريو العام 1990 بتلزيم لبنان؟!

شارك

في العام 1990 دفع لبنان ثمن تسويات إقليمية-دَولية جرت صياغتها على حسابه، بين كل من الولايات المتحدة الأميركية وسوريا وبعض الدول العربية، ليقع بعد ذلك تحت قبضة الاحتلال السوري لعقد ونصف من الزمن! واليوم، تُطلّ تسويات جديدة تُحضّر لمنطة الشرق الأوسط، من نافذة المفاوضات الأميركية-ال إيران ية في ظلّ وساطة باكستان ومجموعة من الدول العربية أيضًا. فهل سيتكرّر "سيناريو" العام 1990، فيصبح لبنان مُجدّدًا تحت وصايات جديدة، بغضّ النظر عن التبدّل في هويّتها؟

لا شكّ أنّ الدول الضعيفة تدفع في أكثر الأحيان أثمانًا باهظة للتسويات التي تُنسج على حسابها، وخارج إرادتها. والخطير اليوم أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتصرّف بشكل فردي كامل، بحيث يتخذ قرارات حاسمة باسم كل من بلاده و إسرائيل والدول العربية من دون استشارة أحد! وفي الجهة المقابلة، تنطلق إيران من كونها القائد الفعلي لمحور الممانعة، لتأخذ القرارات باسمها وباسم كلّ من لبنان و العراق و اليمن (الجزء الخاضع لسيطرة حركة "أنصار الله"). والأسئلة التي تفرض نفسها حاليًا تتمحور حول مدى قُدرة الجهات المعنيّة على التفلّت ممّا يُحاك للمنطقة من اتفاقات.

والبداية طبعًا من لبنان حيث يُوجد فريقان تأثّرا مباشرة بما جرى في سويسرا أخيرًا، هما الدولة اللبنانية و" حزب الله ". بالنسبة إلى السُلطة الشرعية فهي ستُحاول توظيف الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة مع الجانب الإسرائيلي القائمة في واشنطن حاليًا، من أجل لعب دور-ولو صغير في الترتيبات التي يجري إعدادها على قدم وساق. لكنّ هامش تأثير الفريق اللبناني المفاوض محدود جدًا، بسبب التدخّل الإقليمي والدَولي في أدقّ تفاصيل مُستقبل الجنوب، ناهيك عن تأكيد "الحزب" رفضه لهذه المفاوضات المباشرة، وعدم تقيّده بقراراتها. وهنا من الضروري الإشارة إلى أنّ "حزب الله" الذي فقد القُدرة على ردع إسرائيل، وعجز عن وقف مجازرها بحقّ الشعب اللبناني، يتمسّك بالكامل بالمظلّة الإيرانية لإرغام إسرائيل على عدم مواصلة الحرب غير المُتكافئة ضُدّه، وهو يأمل أنّ تتمكّن ضُغوط طهران على واشنطن من إستعادة القرى والبلدات الجنوبية التي خسرها في المعارك الطاحنة مع الجيش الإسرائيلي. وبالتالي، لم يعد قرار وقف النار في لبنان، واستعادة المناطق المُحتلّة، مرتبطًا باتفاق منشود بين لبنان وإسرائيل، بقدر ما صار متأثّرًا بالتسوية النهائية التي تعمل واشنطن وطهران على صياغة بنودها.

وانطلاقًا ممّا سبَق، وإذا كان "الحزب" مُلتزمًا تمامًا بما ستُقرّره إيران بالنسبة إلى وجوده في الجنوب، وسلاحه، ودوره، ولبنان الرسمي لا يملك سوى هامش تنفيذ الإجراءات الميدانية، بعد أن يكون القرار السياسي الكبير قد صدر عن المراجع العليا، فإنّ الدور الإسرائيلي غير واضح المعالم بعد. فإسرائيل ليست ضعيفة مثل لبنان، وهي كانت تعمل جاهدة على استكمال الحرب على إيران، لأنّ حجم الضرر الذي كانت تُلحقه بالجمهورية الاسلامية عبر الصواريخ الباليستية لا يُمثّل سوى نسبة صغيرة من حجم الضرر الذي كان يلحق بٍإيران من جرّاء الغارات الجويّة التي نفّذها سلاح الجوّ الإسرائيلي ضُدّها. ومُشكلة تل أبيب في المرحلة الراهنة، تتمثّل في حجم الضُغوط الأميركية غير المسبوقة عليها، من أجل رفع فرص إنجاح الصفقة الأميركية–الإيرانية المُرتقبة. لكن إذا كانت الحكومة الإسرائيلية مُستعدّة للتنازل قليلًا استجابة لضغوط ترامب، فإنها لن تتنازل مُطلقًا عن مصالحها الأمنية والإستراتيجيّة. وبالتالي، يمكن لإسرائيل أن تتقيّد جزئيًا بوقف النار، لأنّ هذا الأمر يصبّ في مصلحتها لجهة توقّف الاستنزاف الذي كان "الحزب" يُنفّذه ضُد قوات الاحتلال، موقعًا العديد من القتلى والجرحى في صفوفها. لكن لا يُمكنها أن توافق على انسحاب مجّاني من الجنوب، بعد أن دفعت ثمنًا باهظًا لفرض سيطرتها على قرى وبلدات الشريط الحدودي. وهي ستُدافع عن مواقعها الحالية، وستُطلق النار على كل من يقترب منها، حتى ولوّ كان من المدنيّين، إلى حين الوصول إلى اتفاق يُنظّم الانسحاب. وجُلّ ما قد تقبل به، هو تنفيذ انسحابات جزئيّة من بعض المواقع غير المهمّة، والتي تُشكّل خطرًا أمنيًا على قوّاتها في حال البقاء فيها من دون غطاء جوّي ناري للمناطق المحيطة. وستُوظّف إخلاء بعضالمواقع التي تحتلّها، لاختبار مدى عزم الجيش اللبناني على تنفيذ الالتزامات التي تعهّد بها الوفد اللبناني المفاوض، لجهة فرض السيطرة العسكرية الشرعية الأحادية.

في غُضون ذلك، يُنتظر أن تكون موضوعات "وقف النار في الجنوب" و"انسحاب إسرائيل" و"وقف نشاط حزب الله العسكري" و"إبعاد مقاتليه عن الجنوب" على طاولة المفاوضات الأميركية-الإيرانية إلى جانب ملفّات "البرنامج النووي" و"مخزون اليورانيوم" و"العقوبات" و"الأموال المُجمّدة" و"حركة المرور في مضيق هرمز"، إلخ. ومع كل ورقة تنازل من جانب أي جهة، سيكون هناك مكسب مُعيّن لصالح الجهة المقابلة، ما يعني أنّ كل هذه الملفّات هي محط تفاوض ومساومة خارج إرادة لبنان الرسمي والشعب اللبناني.

في الختام، مهما كانت واشنطن حريصة على حليفها الأساسي في المنطقة، أي "تل أبيب"، فإنّ مصلحة أميركا اٍلإستراتيجيّة تأتي أوّلًا. ومهما كانت طهران راغبة بعدم خسارة ورقة "حزب الله" الأمنيّة الرابضة على حدود إسرائيل، فإنّ مصلحتها الإستراتيجيّة تأتي أوّلًا أيضًا. وبالتالي، كل الأوراق التي تملكها واشنطن وطهران هي عرضة للأخذ والرد، والخشية الكبرى من أن تأتي التسوية النهائية على حساب لبنان، بحيث يُصبح تحت وصاية أميركية-إيرانية مُشتركة، في تكرار لمرحلة الوصاية السورية في تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية الحالية، ولو عبر وجوه جديدة!

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا